الرئيسية / المجلة / المقالات / السلطة القضائية بين الإنخراط النقابي و الحق في الإضراب/ الرئيسة سلمى غضباني

السلطة القضائية بين الإنخراط النقابي و الحق في الإضراب/ الرئيسة سلمى غضباني

الرئيسة سلمى غضباني/ تونس

 

تعد السلطة القضائية من أهم مقومات السيادة داخل كل دولة مستقلة، فهو رأس مفاخر كل أمة حية و راشدة، فلا وجود لدولة قوية بدون قضاء عادل.
و لا خلاف على مدى أهمية  دور القضاء في بناء عراقة الدولة و صلابتها و فرض سيادتها بين باقي الدول “فإعطني قضاءا اعطيك دولة” .
و تتميز السلطة القضائية بإستقلالها عن كل من السلطتين التشريعية و هي المختصة بسن القوانين و السلطة التنفيذية المسؤولة على حفظ الأمن و تنفيذ سياسات الدولة.
 تعد الاستقلالية مطلب دولي تم التنصيص عليه بصفة أولية بمؤتمر الأمم المتحدة السابع المتعلق بمنع الجريمة و معاملة المجرمين المعقد بميلانو سنة 1985 و الذي نص على أنه ”  تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه. ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية.”
ولئن كان مبدأ استقلال القضاء هو القاعدة الجوهريّة في عمل السلطة القضائية الا انه ليس بالأمر البديهي خاصة و انه إلى تاريخ القرن الواحد والعشرين لا يزال القضاة بتونس  يطالبون بإستقلالهم الإداري و المالي عن السلطة التنفيذية خاصة في غياب محكمة دستورية ضامنة لهذا المبدأ.
 فمعركة الاستقلال الفعلي للقضاء لا تزال متواصلة في أغلب الدول العربية و حتى الدول الغربية و في اعتق الديمقراطيات فالفاسدون لا يريدونه قضاءا قويا حتى لا يُحاسبون.
و قد تصل محاولات بعض الحكومات في التضييق على السلطة القضائية بالتدخل في اصدار الأحكام و تهديد القضاة و شن حملات تشويه ضدهم من أجل استعطاف الرأي العام و تخويفهم من تغول القضاة،هو ما يفسر  لجوء القضاة إلى احداث  الهياكل النقابية و انخراطهم في تحركات احتجاجية تندد بتهميش السلطة القضائية و التدخل في شأنها.
و على اعتبار ان  القضاء سلطة على غرار كل من السلطتين التنفيذية و التشريعية فذلك يجعله خاضعا لخصائص السلطة و ما عليها من واجبات تجاه الدولة و في نفس الوقت محميا بمميزات السلطة و ما لها من نفوذ.
و هو ما يجعل البعض يعتقد  ان القاضي بإعتباره سلطة لا يمكنه  ممارسة الحق النقابي او  الاحتجاج او الإضراب عن العمل.
فهل يمكن  للسلطة القضائية الانخراط في هياكل نقابية او ممارسة حق  الإضراب؟
سنتطرق في مرحلة أولى إلى توضيح مفهوم السلطة، و في مرحلة ثانية إلى علاقة السلطة القضائية بالهياكل النقابة ثم في مرحلة اخيرة نتحدث عن حق القاضي في الإضراب.
1_. مفهوم السلطة
يواجه مفهوم السلطة عدة اشكاليات ، منها المتعلقة بمعانيها ودلالتها، من حيث أنها تعتمد على القوة و الهيمنة في نطاقها العام  (the power)
و الحق  في القيادة والأمرة و السيطرة بغرض التأثير( the authority) و هو في علاقتها بالسياسة و الحكم.
ورغم اختلاف  الفلاسفة والفقهاء حول الأسس التي ترتكز عليها السلطة، إلا أنهم اتفقوا على أنها ذات طابع أخلاقي ومعنوي.
تكمن صعوبة تحديد مفهوم السلطة من كونها ظاهرة تتطور باستمرار وتأخذ اشكالاً مختلفة وقد مرت بمراحل نوعية في تطورها.
و بإيجاز  و حتى لا نطيل التعريف نظرا إلى عمق هذا المفهوم، سنقتصر على مفهوم السلطة في علاقتها بالدولة، فالدولة تحفظ سيادتها  من سلطها الثلاث و من  ضرورة  خلق التوازن بينهم من أجل استمراريتها،
 و يعد الفصل بين السلطات مبدأ حكومي في الأنظمة الديمقراطية، يتم  على اثره تقسيم صلاحيات النظام إلى سلطات منفصلة تقيد بعضها البعض،وبحسب هذا المبدأ فإن سلطة الدولة تنقسم إلى فروع منفصلة: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
 في المقابل تحمي الدولة سلطها الثلاث من خلال سن جملة من الامتيازات على غرار الحصانة و الامتيازات المادية و تخصيص سلم تأجير خاص و غيرها من الأمور.
الا ان بعض الحكومات الفاسدة  قد تتعمد احيانا تضعيف  السلطة القضائية حتى تقتات من فسادها دون خوف من المحاسبة و هو ما جعل القضاة  في عديد الدول ينتفضون ضد هته الحكومات متخذين عدة أشكال نضالية من بينها الانخراط في هياكل نقابية و اللجوء إلى حق  الإضراب.
. 2- السلطة القضائية و العمل  النقابي :
    اجمعت المواثيق الدولية و القوانين المقارنة على  اعتبار العمل النقابي من ابرز مضاهر الديمقراطية داخل الدول التي تدّعي ذلك.
فقد جاء بالمادة 8 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمم المتحدة المصادق عليها سنة 1966 انه ” من حق كل شخص  تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفى الانضمام إلى النقابة التي يختارها، دونما قيد سوى قواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها. ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.
و قد صادقت الدولة التونسية على العديد من الاتفاقيات الدولية الداعمة للحق النقابي ، نذكر منها بالخصوص اتفاقيات المنظمة العالمية للعمل OIT رقم  87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي و رقم 98 المتعلقة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية، والمادة الرابعة من اتفاقية العمل الدولية رقم 151 المتعلقة بعلاقات العمل في الوظيفة العمومية والمصادق عليها بمقتضى القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2013 في 1 أفريل  2013.
و هو كذلك ما  أقره الدستور التونسي صلب الفصلين 35 و 36 معتبرا  ان العمل النقابي حق دستوري  لكل مواطن تونسي و هو مضمون حسب عبارة النص و مكفول بالقانون.
كما  كرست مجلة الشغل الحق النقابي بتأكيدها إمكانية تأسيس نقابات أو جمعيات مهنية “بكل حرية” تضم أشخاصًا يتعاطون نفس المهنة أو الحرفة.
و ان اتفقنا على ان القاضي مواطن  فإنه يحق له ممارسة حقه النقابي و تأسيس هياكل نقابة و الانخراط فيها و الالتزام بقرارتها دون ان يمس ذلك من اعتباره سلطة داخل الدولة
فمفهوم السلطة كما سبق تعريفه أعلاه بما فيه من علوية و قوة و نفوذ  لا يتعارض مع الحق في الانخراط في هياكل نقابية خاصة و ان كانت الدولة التي ننتمي إليها تلك السلطة ،تعمل على تضعيفها و بتر امكانياتها.
و قد تم تأسيس اول  نقابة للقضاة التونسيين  في 18 مارس 2011  بعد اندلاع الثورة انذاك و عقدت مؤتمرها الأول في 22 ماي 2011   قاطعة بذلك أحادية تمثيل جمعية القضاة التونسيين للمشهد القضائي في تونس.
و ينخرط فيها أكثر من 1000 قاضي تونسي، و هو ما جعل البعض يتسائل عن مدى مشروعية انخراط القاضي في الهياكل النقابة و الخل انه ينتمي إلى سلطة.
لا قانون  يمنع  القاضي بإعتباره سلطة من ممارسة حقوقه كمواطن مع ضرورة التزامه بواجب التحفظ الذي لا يتعارض مع حقه في الاحتجاج ضد وضع معين.
و هذا القيد يجد أساسه في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يتيح الحق لأعضاء السلطة القضائية “كغيرهم من المواطنين  التمتع بحرية التعبير و الاعتقاد و تكوين الجمعيات و التجمع شرط  أن يسلك القضاة  دائما لدي ممارستهم حقوقهم  مسلكا يحفظ هيبة منصبهم و نزاهة و استقلال القضاء”
فيجب ان لا تكون الغاية من الاحتجاج او التجمهر ضرب استقلالية القضاء، و في غير ذلك من الصور يحق للقاضي ان يمارس حقه النقابي دون الخوض في السياسة  او الانحياز لجهة حزبية.
فالدفاع على مبادئ اساسيةكاستقلال القضاء و تحسين الترسانة القانونية و اللوجستية و المادية للقاضي لا يعتبر انتهاكا لواجب التحفظ بل هو حماية و اهتمام بالشأن  العام و ممارسة لحق المواطنة و هو يرتقي إلى الواجب الوطني.
3- اضراب السلطة القضائية :
قد لا تودي الحركات الاحتجاجية او البيانات المنددة بفعل ما إلى حلحلة الازمة بين الاطراف المُطالبة و الجهة المطلوبة، و هو ما يدفع المنددين إلى التصعيد.
و يعد الإضراب عن العمل من بين آليات الاحتجاج المشروعة التي كرستها عديد المواثيق الدولية و عنصر من عناصر الحريات العامة ووسيلة للدفاع عن المصالح المهنية.  اقرت العديد من المواثيق الدولية الإضراب كحق مشروع قانونا ضمن ضوابط محددة،و لم تمنع الاتفاقيات الدولية القاضي بإعتباره سلطة من الإضراب، بل انه من المعايير الدولية لاستقلالية السلطة القضائية  الحق في التعبير وبالتالي الاحتجاج بما في ذلك الاضراب باعتبار أن الاضراب هو حركة احتجاجية وبالتالي شكل من أشكال التعبير.
 ورد  بميثاق العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في المادة 8 منه، الحق النقابي والحق في الحرية النقابية الذي تتعهّد الدول الأطراف بأن تكفله، وبما يتضمّن من جملته  “الحق في الاضراب”،وتضيف نفس المادة 8 من العهد الدولي المذكور أنه “…لا تحول هذه المادة دون فرض القيود القانونية على ممارسة هذه الحقوق بواسطة أعضاء القوات المسلحة أو الشرطة أو الإدارة الحكومية”.
و من بينها نذكر
اضراب القضاة بفرنسا في قضية ما يعرف ب “pornic” في فيفري 2011 من أجل تحسين منظومة العدالة و توفير الامكانيات اللازمة للقضاة و لأعوان الأمن.
نذكر كذلك اضراب القضاة بإيطاليا روما و ذمل في 24 نوفمبر 2004 احتجاجا على تدخل السلطة التنفيذية في احكامهم مطالبين بالإستقلالية
كما أن الدستور التونسي في الفصلين 35 و 36 أقر صراحة  بحق الإضراب و استثنى على وجه الحصر الأجهزة المسلّحة لاغير.
 بخصوص القانون عدد 29 لسنة 1967 مؤرخ في 14 جويلية 1967 يتعلق بنظام القضاة والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة، مثلما تم تنقيحه بمقتضى القانون الأساسي عدد 79 لسنة 1985 المؤرخ في 11 أوت 1985، والذي ينص صراحة على أنه: “يحجّر تحجيرا باتّا على أعضاء السّلك القضائي الإضراب”، فأولا تطبيقا لمبدأ علوية الدستور فإن الإضراب حق دستوري و عليه يقع اعماله لعلويته على باقي القوانين، كما أن المواثيق الدولية التي كرست حق الإضراب استثنت كل القوانين الداخلية المنظمة لهذا الحق في صورة ما تعارضت و جوهر النص.
  اضراب القضاة خاصة و انهم سلطة لها نفوذ و القول ان ذلك فيه استنقاص و دونية لمكانتهم داخل الدولة امر مغلوط ، ، فإن تضرب السلطة القضائية هذا دليل على  خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد  و على  عجز القضاء  عن القيام بالأمانة المنيطة بعدته لأسباب تخرج عن نطاقه و خاصة أن كانت تمس من استقلاليته.
فالسلطة القضائية تختلف عن كل من السلطتين التنفيذية و التشريعية، فهي لا تساهم في الجانب السياسي التسييري للدولة  فالقاضي مطالب بتطبيق القانون و تحقيق العدالة شرط توفر الشروط المعتمدة دوليا اهمها استقلالية السلطة القضائية عن بقية السلط
و بالتالي فإن دخول  السلطة القضائية في  مواجهة مع السلطة التنفيذية من أجل افتكاك استقلاليتها من هته الأخيرة هو واجب وطني و ضمانة للمتقاضي الذي فوض القاضي من أجل أن يحفظ حقه.
فلا يمكن لاحقا محاسبة السلطة القضائية اذا لم توفر لها الدولة ظروف العمل المناسبة من أجل تحقيق العدالة.
و اذا اعتبرنا ان القضاة ليس لهم الحق في الاضراب فانه ليس لهم حق التعبير والتمثيلية، وهذا ما يتعارض جذريا مع المعايير الدولية لاستقلالية السلطة القضائية التي تعتبر الحق في التعبير والاجتماع والتمثيلية من المقومات الجوهرية لاستقلالية القضاء.
اذن يمكننا أن نعتبر أن ممارسة الاجتماع والتعبير في كل صوره وأشكاله المشروعة والتي من بينها الاضراب سواء الاحتجاجي أو المطلبي هو تكريس لإستقلالية السلطة القضائية ودفاع عنها وليس مساسا منها.
اخيرا و ليس آخرا اقول ان القاضي هو جزء من منظومة العدالة في اية دولة، و لكنه الأهم لأنه وحده من ينطق بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *