أخبار
الرئيسية / المجلة / تركيز المحكمة الدستورية في تونس، غيابٌ أم تغييب؟؟ الرئيسة أميرة العمري

تركيز المحكمة الدستورية في تونس، غيابٌ أم تغييب؟؟ الرئيسة أميرة العمري

 

الرئيسة أميرة العمري، رئيسة نقابة القضاة التونسيين، الأمينة العامة للاتحاد العربي للقضاة
من أهم المسائل المطروحة راهنا هي مسألة عدم تركيز المحكمة الدستورية لأن القول بذلك يعني الإقرار بوجود ثغرة كبيرة تعوق نجاح المسار الديمقراطي في تونس والذي حقيقة ثغراته الأخرى تحصى ولا تعدّ.
واليوم نلمح سعيا وإرادة ، ربّما صادقة ، لاُستكمال أهم الرهانات والأهداف المتمثلة في تركيز هذه المؤسسة القضائية الدستورية المستقلّة التي يُكفل لها ضمان علوية الدستور وحماية النظام الجمهوري الديمقراطي وصون الحقوق والحريات.
وهذه الإرادة نستشفّها من خلال التنقيحين الواردين على الفصلين 10 و11 من القانون الأساسي المتعلق بالمحكمة الدستورية ، فكأننا من خلال هذا التنقيح وبه جزمنا أنه من المخزي ومن الفشل بمكان أن تتمادى سلطات الدولة بأجهزتها ومكوناتها على العمل في ظل غياب المحكمة الدستورية.
ولكن السؤالين الذين يتعيّن علينا أن نطرحهما هنا هل أنه بالفعل كنّا في فترة غياب المحكمة الدستورية أم تغييب لها ؟
وما مردّ هذا التنقيح ؟
من البديهي أن المحكمة الدستورية تهدف إلى تنظيم العلاقة بين السلطات كما أنها تنظم علاقة الفرد بهذه السلطات ، وهذا الدور الجوهري لم يكن ربما للكثيرين في فترة سابقة ضرورة قصوى ولا طلبا ملحّا ربما لأن العلاقات في شقها الأول المذكور كانت متنظّمة وليست منتظمة وربما أيضا لأنه لم نشأ لها أن تتحدّد وتتبلور حدودها…
لكن اليوم ما الذي تغيّر لنصل حدّ إقرار تنقيح لفصلين تعلّقا بآليات تركيز هذه المحكمة ؟ هل هي صحوة ضمير وخشية حقيقية وصادقة على المسار الديمقراطي في تونس ؟ هل تم وضع الخلافات جانبا من أجل مصلحة عليا وفضلى ؟ أم الأمر لا يعدو أن يكون رغبة ملحّة في حماية مصالح ضيقة و وجود سياسي ؟
لن نخوض في النوايا فنحن كرجالات قانون ديدننا البرهان والحجة وحتى القرائن..واليوم كل القرائن إجتمعت على إثبات أمر يقيني عكسه المشهد الوطني العام اليوم بتجاذباته السياسية وصراعاته ” التموقعية ” ورهاناته الوطنية.
لكن ، في ظل كل ما نعيشه من أزمات وعتمة ، فلنكن متفائلين ولنقل أن الهدف من التنقيحين هو إيجاد مخرج من عنق زجاجة أصبح الجميع يتخبط فيها….
وأول التنقيحين المقترحين شملا الفصل العاشر وذلك من خلال إلغاء كلمة ” تباعا ” فأصبح الفصل المقترح على النحو التالي ” يتم تعيين أعضاء المحكمة الدستورية من طرف مجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء ورئيس الجمهورية وفقا للشروط المنصوص عليها بالفصلين عليها بالفصلين 8 و 9 من هذا القانون مع السعي إلى إحترام مبدأ التناصف.”
بالتالي فإن التنقيح المذكور تعلق بإلغاء الترتيب الملزم للجهات التي لها صلاحية تعيين أعضاء المحكمة الدستورية..
فالأولوية الزمنية أو التواتر الزمني الموجود حاليا في الفصل العاشر من خلال كلمة ” تباعا ” خلق أفضلية ما وترابطا في الزمن خلق بدوره إلزاما للجهات الثلاث الواقع تعدادها صلب الفصل المتقدم لتقديم مقترحاتها في خصوص أعضاء المحكمة الدستورية..
ولكن بالتخلص من هذا التواتر الزمني الإلزامي هل تخلّصنا بالتبعية من إلزامية تقديم كل جهة لأعضائها المرشحين من قبلها..
هل تخطي العقبة ” الزمنية ” يغطي رغبة في تخطي بعض الجهات وعدم التوقف عليها لاُنتخاب أعضاء المحكمة الدستورية ؟
هذا التأويل ” ولو كان مستبعدا ، يجب وأده وذلك بتحصين الفصل العاشر من خلال التنصيص على إلزامية كل جهة في تقديم مرشّحيها..
والحديث عن الجهات التي لها صلاحية تعيين أعضاء المحكمة الدستورية يثير تساؤلنا المشروع حول حيادية هذه الجهات المطلوب منها إقتراح مرشحين لعضوية المحكمة الدستورية يتمتعون بالحياد والإستقلالية والنزاهة.
فلا مراء أن السلطة التنفيذية لها توجهاتها السياسية وحساباتها التي قد تنحرف أحيانا عن تلك الوطنية لتضيق في خانة المصالح الشخصية..لكن أيضا السلطة التشريعية لا تخلو من التلون السياسي ..كيف لا وأغلبها وليد أحزاب سياسية وجودها يعدّ أولوية مطلقة لها..
وعليه فالخشية أن يكون المرشحون يحملون إرثا سياسيا أو فكريا أو إيديولوجيا ينعكس بالضرورة على توجهات المحكمة الدستورية مستقبلا التي تعدّ إستقلاليتها شرطا جوهريا لا فقط لقيامها بل لنجاحها وعدم شكليتها وصوريتها..
وأيضا لا يفوتني ونحن في إطار الفصل العاشر الآنف ذكره أن ألاحظ أن هذا الفصل تضمن في جزئه الأخير إفراغا لمبدأ التناصف من محتواه من خلال إدراج عبارة ” السعي ” إلى إحترام مبدأ التناصف..
لا جدال أن تلك العبارة جعلت المبدأ االمذكور صوريا وما التنصيص عليه من قبل المشرع إلا ذرّ رماد على عيون يرونها فقط “نسويّة”..
لذا وددت لو شمل التنقيح تلك العبارة بحذفها ليصبح إحترام مبدأ التناصف واجبا وإلزاما لا سعيا صوريا أو مفتعلا..
من جهة أخرى فإن التنقيح الثاني تعلق بالفصل الحادي عشر وذلك من خلال تجاوز أغلبية الثلثين والتقليص منها إلى أغلبية الثلاثة أخماس..
وتجاوز أغلبية الثلثين (145 من الأعضاء) أمر لا يخلو من الخطورة ..فهذه الأغلبية العاليية لم توجد ولم يقع إقرارها إعتباطا بل هي أغلبية مطلقة تهدف إلى تعزيز حياد واستقلالية المحكمة الدستورية وتحصين تركيزها من أية محاولة للتطويع و”الإحتكار”…
فتنقيح تعديل تلك الأغلبية العالية نخشى أن يكون هبوطا حرا في منسوب نزاهة واستقلالية تلك الهيئة الدستورية ، لأن تجاوز شبه التوافق على شخصيات تتمتع بالنزاهة والحياد والإستقلالية قد يخلق من جهة نوعا من عدم الثقة التي لا نرجوها البتة وارتباطا مردّه التوافقات السياسية والمصالح الشخصية الموحّدة ليكون أعضاء المحكمة الدستورية أو جلّهم سليلي تحالفات سياسية مما يحول مستقبلا دون قطع الحبل السري بينهم وبين ” أرباب ” وجودهم…
تخوفات ومخاوف وتوجسات كثيرة لكن يبقى الأمل دوما قائما لأنه رغم كل الهنات فإن تونس كانت وستزال دولة القانون والمؤسسات وأرض الحقوق والحريات وحاضنة الفكر والعلم رغم جلّ الأزمات…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *