أخبار
الرئيسية / المجلة / قراءة في الرقابة على دستورية القوانين في النظام الدستوري الجزائري/ القاضي زرفاوي محمد

قراءة في الرقابة على دستورية القوانين في النظام الدستوري الجزائري/ القاضي زرفاوي محمد

القاضي زرفاوي محمد، الجزائر، محكمة الوادي

من المتعارف عليه في الفقه القانوني و الدستوري خصوصا سمو النصوص الدستورية على باقي النصوص الأخرى و لضمان سمو الدستور وجد نظامين لفرض  رقابة على النصوص القانونية لكي تكون مطابقة للدستور فتوجد أنظمة تعتمد على الرقابة السياسية تسند لهيئة خاصة تكون مهمتها التحقق من مدى مطابقة القانون للدستور قبل صدور القانون أي رقابة قبلية ، أما الرقابة القضائية التي يضطلع بها رجال القضاء لما فيها من ضمانات الحياد و الموضوعية و التكوين القانوني الذي يسمح لهم بتفعيل الرقابة بطريقة جدية و هي رقابة بعدية أي بعد صدور القانون و تكون إما بدعوى أصلية أو بدفوع عدم الدستورية و هو ما يجعلنا نطرح التساؤل ما هو نظام الرقابة على دستورية القوانين  المعتمد في النظام الدستوري الجزائري؟

سنجيب على هذا التساؤل بإبراز ما كرسته جل الدساتير الجزائرية منذ الاستقلال إلى غاية مشروع الدستور المعروض للاستفتاء بتاريخ الفاتح من نوفمبر سنة 2020.

أولا : الرقابة على دستورية القوانين في ظل دستور 1963

يعتبر هذا الدستور أول دستور للجمهورية الجزائرية أي أنشأ بموجب المادة 63 منه هيئة رقابة سياسية تحت مسمى المجلس الدستوري و هو المجلس لذي يتشكل من ثلاث قضاة ” رئيس المحكمة العليا و رئيس الغرفة المدنية بالمحكمة العليا و رئيس الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا ” و ثلاث نواب يعينهم رئيس المجلس الوطني ، و عضو يعينه رئيس الجمهورية و يتم انتخاب رئيس المجلس من بين أعضائه ، و أناط المشرع الدستوري للمجلس مهمة الفصل في دستورية القوانين بموجب نص المادة 64 من الدستور و يكون ذلك بطلب من رئيس الجمهورية أو من رئيس المجلس الوطني ، و في هذا الدستور نجد أن الدستور حدد التشكيلة و حدد مهمتها الأساس ألا و هي الرقابة على دستورية القوانين و الحفاظ على علوية الدستور و سمو أحكامه.

ثانيا : الرقابة على دستورية القوانين في ظل دستور 1976:

لم ينصص دستور سنة 1976 و هو الدستور السياسي الإيديولوجي الذي يعتمد على نظام الحزب الواحد و النهج الاشتراكي على أية هيئة تختص بحماية الدستور و ضمان علوية أحكامه على القوانين التي تصدر ، و تضمن دستور 1976 إشارة واحدة في هذا الخصوص في نص المادة 111 الفقرة 03 منه و هي تتعلق بحماية الدستور من اختصاص رئيس الجمهورية ، و لم يبين كيفية ممارسة رئيس الجمهورية لذلك بدقة و في هاته الفترة بالذات يمكننا القول أنه لم تكن هناك رقابة على دستورية القوانين في النظام الدستوري الجزائري.

ثالثا : الرقابة على دستورية القوانين في ظل دستور 1989

يعد دستور 1989 أول دستور في الجزائر الذي كرس التعددية الحزبية و منها غير النظام الدستوري لمؤسسات الحكم في الجزائر و أثر ذلك حتى على مؤسسات الرقابة و المؤسسات الاستشارية ، أين عاد المؤسس الدستوري إلى إنشاء هيئة رقابة سياسية سماها بالمجلس الدستوري و أسند له أساسا مهمة السهر على احترام الدستور حسب ما ورد بنص المادة 153 منه و أضاف له مهمة ثانية و هي السهر على صحة عمليات الاستفتاء و انتخاب رئيس الجمهورية و الانتخابات التشريعية و الإعلان عن نتائجها.

و جاء في هذا الدستور الكثير من التفاصيل على خلاف الدساتير السابقة أين حددت تشكيلة المجلس بسبعة أعضاء اثنان يعينهم رئيس الجمهورية و اثنان ينتخبهما المجلس الشعبي الوطني و اثنان منتخبان من المحكمة العليا و يتفرغ أعضاء المجلس الدستوري لمهامهم بعهدة غير قابلة للتجديد مدتها ست سنوات و هو الأمر ذاته لرئيس المجلس الذي يعينه رئيس الجمهورية لفترة ست سنوات غير قابلة للتجديد و هو المجلس الذي اجتمعت فيه السلطات الثلاث التنفيذية و القضائية و التشريعية مع أغلبية للسلطة التنفيذية بأكثر عدد في الأعضاء و رئاسة المجلس ما يجعل استقلالية عمله و قراراته محل نقاش.

و أكد المشرع الدستوري على مهمة الحفاظ على علوية أحكام الدستور بالفصل في مدى دستورية أحكام المعاهدات و القوانين و التنظيمات إما برأي قبل سريانها أو بقرار في الحالة العكسية و يخطر المجلس رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الشعبي الوطني و هذا عد تضييق في جهات الإخطار و هو ما يؤدي للتقليل من الدور الحقيقي الذي سيؤديه المجلس و هو ما ورد في المواد 155 ، 156 من الدستور ، و يجتمع المجلس وجوبا في أجل 20 يوما الموالية لتاريخ إخطاره في جلسة مغلقة يصدر فيها قراره أو رأيه تداوليا و إن أقر المجلس بعدم دستورية النصوص محل الإخطار تفقد هاته النصوص أثرها من يوم صدور القرار و هو ما أكدته المادة 159 من الدستور و هنا نجد أن المشرع الدستوري ذهب إلى تكريس رقابة قبلية سياسية بأحكام فصلت بعض المسائل لم ترد في الدساتير السابقة و في تقديري هي بداية على الأقل من ناحية التنصيص لضمان سمو الدستور و حماية أحكامه من الانتهاك.

رابعا : الرقابة على دستورية القوانين في ظل دستور 1996

أبقى المشرع الدستوري في الجزائر على الهيئة السياسية للرقابة تحت مسمى المجلس الدستوري يسهر على الحفاظ على احترام الدستور و على صحة العمليات الانتخابية الرئاسية و التشريعية و الاستفتاء و يعلن عن نتائجها ،  و تم توسيع تشكيلة المجلس إلى تسع أعضاء ثلاثة يعينهم رئيس الجمهورية من بينهم رئيس المجلس و أربعة أعضاء ينتخب المجلس الشعبي الوطني عضوين و مجلس الأمة عضوين و إضافة لعضو منتخب من قبل قضاة المحكمة العليا و آخر منتخب من قضاة مجلس الدولة ، و يعاب على هاته التشكيلة عدم توازن التمثيل بين السلطات فيها و عدم إدراج شروط صارمة تتناسب و المهام التي تسند للعضو في المجلس خصوصا منها المتعلقة بالكفاءة و الدرجة العلمية و التخصص في مجال القانون الدستوري لضمان أداء فعال للمجلس كهيئة دستورية تضمن احترام أحكام الدستور القانون الأسمى في البلاد كون أنها تشكيلة سياسية أكثر منها قانونية.

و الجديد في هذا الدستور أنه نص على تجديد نصف الأعضاء في مدة 03 سنوات و أضاف سلطة إخطار جديدة و هي رئيس مجلس الأمة و إجبارية الإخطار و مرور القانون العضوي على المجلس الدستوري لفحص أحكامه كونها ذات صلة وطيدة بأحكام الدستور و هو إخطار وجوبي يقوم به رئيس الجمهورية و نرى أن المشرع الدستوري في الجزائر بقي مصرا على الرقابة السياسية القبلية و بهيئات إخطار محدودة أدت إلى التأثير على أداء المجلس و اقتصار عمله على حالات محدودة حسب ما تم إخطاره به ، كما أنه حافظ على السمة السياسية للهيئة كون أن تمثيل القضاء فيه كضمان للحياد و الموضوعية و التخصص جاء أقل مقارنة بباقي السلطات.

خامسا : الرقابة على دستورية القوانين في ظل دستور 2016

أكد دستور 2016 السارية أحكامه الآن على بقاء المجلس الدستوري كهيئة سياسية مكلفة بالسهر على احترام الدستور حسبما جاءت به المادة 182 منه و أكد المشرع الدستوري على استقلالية المجلس إداريا و ماليا و هي من أهم الآليات التي تضمن أداء المجلس للمهام المنوطة به باستقلالية ، و تم توسيع تشكيلة المجلس إلى 12 عضوا أربعة أعضاء يعينهم رئيس الجمهورية من بينهم الرئيس و نائب الرئيس و أربعة أعضاء منتخبون من السلطة التشريعية اثنان من المجلس الشعبي الوطني و اثنان من مجلس الأمة و أربعة قضاة منتخبين من قبل نظائرهم اثنان من قضاة المحكمة العليا و اثنان من قضاة مجلس الدولة بتمثيل متوازن للسلطات الثلاث على خلاف ما سبق التنويه عليه في دستور 1996 و ما تم تداركه بموجب هذا الدستور هو التنصيص على شروط مهمة لتولي المنصب بلوغ سن 40 سنة و التمتع بخبرة مهنية مدتها 15 سنة على الأقل في التعليم العالي في العلوم القانونية أو في القضاء أو في مهنة المحاماة كمحام معتمد لدى المحكمة العليا و مجلس الدولة أو في وظيفة عليا في الدولة ، كما تم التنصيص على ضمانة أخرى تعزز استقلالية المجلس و هي الحصانة من المتابعات الجزائية.

و ما نراه إيجابيا في هذا الدستور هو توسيع جهة الإخطار فيما يتعلق بالرقابة القبلية أين أضيف لرئيس الجمهورية و رئيس المجلس الشعبي الوطني و رئيس مجلس الأمة الوزير الأول ، و كذلك 50 نائبا من المجلس الشعبي الوطني و 30 عضوا من مجلس الأمة.

أما الشئ الجديد أيضا هو ما جاءت به المادة 188 من الدستور التي أسست للرقابة البعدية للقوانين عن طريق الدفع بعدم الدستورية كأول مرة في النظام القانوني الجزائري و يكون ذلك متاح لأي مواطن له خصومة قضائية و يتم إخطار المجلس عن طريق الإحالة من المحكمة العليا أو من مجلس الدولة و هو اختصاص قضائي لمجلس بتشكيلة فيها الطابع السياسي.

إن الرقابة القضائية البعدية للقوانين من حيث مطابقتها للدستور ستمكن أي فرد في الدولة من اللجوء إلى المجلس الدستوري للحفاظ على حقوقه المكرسة دستوريا و التي قد تنتهك بقوانين لا دستورية و ألزم الدستور المجلس بالفصل في الدفع بعدم الدستورية في أجل 04 أشهر تحسب من تاريخ إخطاره من المحكمة العليا أو مجلس الدولة يمكن تمديد هذا الأجل لأربعة أشهر أخرى بقرار مسبب يبلغ للجهة القضائية صاحبة الإخطار و هي خطوة واجبة التثمين لأنها جاءت لتكريس الرقابة القضائية البعدية لدستورية القوانين عن طريق آلية الدفع بعدم الدستورية ، و تم تفصيل آليات تفعيل هذا النوع من الرقابة بالقانون العضوي 18-16 المؤرخ في 02 سبتمبر 2018 الذي حدد شروط و كيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية و هو القانون الذي صدر متأخرا أي بعد سنتين من إنشاء الآلية دستوريا لكنه أبرز جل الإجراءات الواجبة الإتباع لإخطار المجلس الدستوري ، و كان أول قرار للمجلس لدى ممارسته لهاته الرقابة بتاريخ 20 نوفمبر 2019 المنشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية العدد 77 لسنة 2019 و يتعلق بالمادة 416 من قانون الإجراءات الجزائية التي تمنع استئناف أحكام الإدانة في مادة الجنح على الأشخاص الطبيعيين المحكوم عليهم بغرامة لا تتجاوز عشرين ألف دينار جزائري ، و هو تعارض مع مبدأ التقاضي على درجتين في المادة الجزائية المكرس بالمادة 160 الفقرة 02 من الدستور و أقر المجلس مطابقة جزئية لنص المادة 416 من قانون الإجراءات الجزائية و بذلك أكد على عدم دستورية الفقرة الأولى منها و بذلك يؤكد المجلس على احترام مبدأ التقاضي على درجتين ، و القرار الثاني كان بتاريخ 06-05-2020 المنشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية العدد 34 لسنة 2020 أين اكد المجلس على مطابقة المادة 496 النقطة السادسة منها للدستور و هي المادة التي تمنع الطعن بالنقض في الأحكام الفاصلة في الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها خمسون ألف دينار جزائري غرامة بالنسبة للشخص الطبيعي و مائتي ألف دينار جزائري غرامة للشخص المعنوي و بذلك تكون بداية أول الطريق للرقابة القضائية على دستورية القوانين.

سادسا: الرقابة على دستورية القوانين في مشروع دستور 01 نوفمبر 2020 المعروض للاستفتاء الشعبي :

تقدم المشرع الدستوري في الجزائر خطوة أخرى في هذا المجال و أنشأ هيئة قضائية سماها بالمحكمة الدستورية بما لها من صلاحيات قضائية تسهر على ضمان احترام الدستور و سمو أحكامه و جعل تشكيلتها مزيجا بين المعينين من رئيس الجمهورية بينهم رئيس المحكمة و عضوين من منتخبين من قبل قضاة المحكمة العليا بعضو و قضاة مجلس الدولة بعضو و ست أعضاء ينتخبهم أساتذة القانون الدستوري بالاقتراع العام و هي تشكيلة لأصحاب الاختصاص و الكفاءة العلمية ، و لكن يعاب على المشرع الدستوري رفع شرط السن إلى 50 سنة و شرط الخبرة المهنة إلى 20 سنة ممارسة في مجال القانون  و هو إجحاف يؤدي إلى إقصاء الكفاءات الشابة، و من بين الشروط أن يكون العضو مستفيد من تكوين في القانون الدستوري و أضاف المشرع شرط عدم الانتماء الحزبي و هو ما يبرر إبعاد ممثلي السلطة التشريعية و كذلك يعزز حياد المحكمة و يبعدها عن التجاذب السياسي مكرسا بذلك محكمة دستورية بمهام رقابة دستورية قضائية و حافظ المشرع على نفس جهات الإخطار مع خفض عدد النواب في المجلس الشعبي الوطني إلى أربعين نائبا و 25 عضوا بالنسبة لأعضاء مجلس الأمة و أبقى على الدفع بعدم دستورية القوانين متاح لكل فرد ، و كذلك آثار أراء المجلس و قرارته بقيت أين لا يصادق على المعاهدات الغير مطابقة للدستور و لا تصدر القوانين الغير دستورية و تفقد النصوص أثرها القانوني إن قررت المحكمة الدستورية عدم دستوريتها لنص قانوني او تنظيمي.

في الأخير نرى أن المشرع الجزائري الدستوري في الجزائر بدأ مسألة الرقابة على دستورية القوانين برقابة سياسية قبلية و بجهات إخطار محدودة حتى وصل إلى رقابة قضائية و بجهات إخطار موسعة و هو تقدم لا يمكن نكرانه في هذا المجال و نبقى في انتظار عنصر الزمن لمراقبة و تقييم أداء المؤسسة الدستورية الجديدة تحت مسمى المحكمة الدستورية في مجال حماية الدستور و ضمان علوية نصوصه.

المراجع المعتمدة :

الأستاذ موسى بودهان ، الدساتير الجزائرية ، كليك للنشر ، الطبعة الأولى ، الجزائر سنة 2008.

الدكتور مولود ديدان ، القانون الدستوري و النظم السياسية ، دار بلقيس ، الجزائر سنة 2017.

دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ، دار بلقيس ، الجزائر سنة 2016.

مشروع تعديل الدستور المنشور بالمرسوم الرئاسي رقم 20-251 المؤرخ في 15 -09-2020 المتضمن استدعاء الهيئة الانتخابية للإستفتاء بمشروع تعديل الدستور ، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية ، 16-09-2020 ، العدد 54 لسنة 2020.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *