أخبار
الرئيسية / المجلة / القاضي والحق في حرية الرأي والتعبير: جدلية النكران والاعتراف/ الرئيسة أميرة العمري

القاضي والحق في حرية الرأي والتعبير: جدلية النكران والاعتراف/ الرئيسة أميرة العمري

الرئيسة أميرة العمري، الأمينة العامة للاتحاد العربي للقضاة، رئيسة نقابة القضاة التونسيين

على غير المعتاد، لن يتعلق مناط الحديث هنا عن البحث في مفهوم حرية الرأي ولا الحق في التعبير ولن يشمل استعراضا للنصوص القانونية سواء الوطنية منها أو الدولية ، بل هو سيتعلق أساسا بالبحث في أحقية القضاة في التمتع بالحق في حرية الرأي والتعبير بالنظر إلى أنه دُرج على اُعتبارهم حُماة لتلك الحقوق دون التجرؤ على الجزم بأنهم يتمتعون بدورهم بها.

سننطلق بعصف من التساؤلات والتأملات والتصورات لنجد الإجابات الكفيلة بتحقيق ارتواء فكري وقانوني للمسألة المذكورة أعلاه ، والتي أراها اليوم على غاية من الأهمية خاصة في ظل تطور وسائل التواصل الاجتماعي.

من المؤكد أننا جميعا ودون استثناء قد أثثنا نقاشات وشاركنا في منتديات علمية وقانونية تتعلق بحرية الرأي والحق في التعبير ودور القاضي في حمايتها لكن التساؤل الأكبر والذي صار ملحّا في الوقت الراهن هو التالي: هل للقضاة أنفسهم التمتع بهاذين الحقين؟

الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي البحث في النصوص القانونية التي أقرّت صراحة هذا الحق للقضاة ( الجزء الأول ) ومن ثمّة وفي صورة إقرار هذين الحقين للقضاة والاعتراف بهما لهم فالبحث عن مدى تمتع القضاة بالحق في حرية الرأي والتعبير عنه ( الجزء الثاني ).

 

الجزء الأول : القاضي موضوع حرية الرأي والتعبير

القاضي هو شخص له ولاية القضاء أي أنه يحكم وفقا للقانون بين المتنازعين ويرأس المحكمة ويبت في النزاعات المعروضة عليه بمختلف أنواعها.

فهل هذه الوظيفة القضائية تتعارض مع الحق في حرية الرأي والحق في التعبير؟

قبل تبني أي رأي أو الصدح بأية إجابة يتعين استحضار أن القاضي هو في الأول والأخير إنسان ومواطن مسكون بهموم شعبه وملتزم بقضايا وطنه.

فهل لا يعدّ السكوت والتقوقع على الذات بتعلة مستلزمات المهنة ضربا من ضروب “الخيانة” لتلك المبادئ التي تفترض ضميرا حيّا لحمايتها و لسانا طليقا لصونها وقلما حرا لتجسيدها وعملا خلاقا مسؤولا لتكريسها ؟

ولأن الإجابة ستكون حتما بنعم فإننا سنجد أن الدساتير والقوانين وإن لم تبح هذا الحق للقضاة بصفة صريحة دوما فإنها في المقابل لم تمنعه بصفة علنية وبقي إنكار الحق وليد ممارسات وتتبعات تأديبية أساسها الأول والأخير واجب التحفظ.

فالدستور التونسي أقرّ هذا الحق صلب الفصل 31 منه الذي نص على أن ” حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة . لا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات”.

والمتمعّن في هذا الفصل يلاحظ أنه لم يورد استثناءات على حرية الرأي والتعبير بناء على طبيعة الرأي أو نوعية التعبير أو حتى صفة الشخص المتمتع بهما.

علاوة على أنه لم يقرّر رقابة مسبقة على هذه الحريات ، وهو ما يحيل بقراءة عكسية إلى ان الرقابة اللاحقة على تجليات هاذين الحقين واردة ومشروعة ومُفعّلة حتى بشدّة.

لذا طالما ورد هاذان الحقّان بصفة مطلقة دون قيود أو شروط أو استثناءات تتعلق بالأساس بصفة المتمتع بهما فإنه لا يمكن سحبهما من دائرة الحقوق التي يتمتع بها القاضي الذي بصفته تلك لم يتخلّ ويتجرّد من صفته كمواطن.

ولئن كان دستورنا متحفظا على إقرار هذا الحق للقضاة بصورة معلنة فإن الدستور المغربي اعترف صراحة بهذه الحقوق للقضاة ونص صلب الفصل 111 منه على ما يلي ” للقضاة الحق في حرية التعبير ، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية .”

بالتالي ، وعلى ضوء الفصل 31 من الدستور التونسي والفصل 111 من الدستور المغربي، واللّذين حتما أوردتهما على سبيل الذكر لا الحصر ، يتبيّن جليا أن للقضاة الحق في حرية الرأي والتعبير عنه ، ولو أني أرى أن القيود المفروضة على الحق الثاني مناطها واجب الحياد وهي قيود أشمل وأعمق من القيود المفروضة على الحق الأول باٌعتبار أن ما يتعلق بهذا الحق يظل باطنيا غير ظاهر في حين أن تجلياته التي تصب في الحق الثاني هي التي تثير الإشكال والالتباس بين ما هو حق ومتاح وما هو غير متاح بحكم الوظيف.

ومثل هذا القول يجعلنا أمام واجبين تعين التمييز بينهما ألا وهما واجب التجرّد و واجب الحياد.

فالأول يعني بالأساس الخلو من الأهواء والعواطف والانتماءات الفكرية والسياسية إذا فهو بهذا المنظور حالة نفسية وفكرية بحتة مرتبطة بذات الشخص وبتركيبته في كُلّيتها.

أما واجب الحياد فهو مفهوم علائقي يشير إلى علاقة مع شيء آخر أي القول بأن القاضي محايد يفترض طرفا مقابل وطبعا قضايا معروضة عليه.

بالتالي ومن هذا المنظور فإن القاضي مدعوّ إلى التقيّد بواجب الحياد دون واجب التجرّد ، أي بما يعني أن حرية الرأي تظل مكفولة له لا ” كرما ” بل لأنها غالبا ما تتسم بالسرية لا العلنية ( وهنا أشدّد على عبارة غالبا ) ، في حين أن حرية التعبير تظل الحق الشائك الذي لا يتسنى التمتع به دون الاكتواء بنار واجب الحياد ودون المرور على ألغام أساسها واجب التحفظ.

وعليه لا يمكن أن ننكر على القضاة حقهم في أن يكون لهم رأي مهما كانت صبغته أو طبيعته ، اجتماعيا كان أو حقوقيا أو ثقافيا أو دينيا أو حتى سياسيا ..

فالصورة التقليدية جعلت من القاضي أداة لحماية حرية الرأي والحق في التعبير وأنكرت بل لنقل واُستهجنت أن يكون القاضي موضوعا لهما ، بما معناه أن يكون الطرف المعني بالاعتراف له بتلك الحقوق أولا والمعني بالحماية في إطار ممارسته لتلك الحقوق ثانيا.

لكن هذا القول لن يمرّ دون الحديث عن قيود وضوابط سنعمل على تبيانها تباعا مع إماطة اللثام عن خطورة توظيفها عشوائيا وحتى تعسفيا.

الجزء الثاني : القيود الواردة على حق القضاة في حرية الرأي والتعبير

إن التمسك بأحقية القضاة ، لا فقط حقهم ، في الاعتراف لهم بحرية الرأي والحق في التعبير يجابه بترسانة من القيود التي تجد جذورها في مفهوم واجب التحفظ الذي خلق نحتا لقاضي أصم أخرس وأبكم ، يسكن برجا عاجيا لا ينزل منه إلا بمناسبة التصريح بحكم أو النطق بقرار.

وهذه الصورة التقليدية التي اتسمت بإنكار تلك الحقوق على القاضي نفسه بتعلات متنوعة تأصّلت سابقا بالنظر إلى حالة الانغلاق والتقوقع التي يعيشها القاضي والذي جعلته ينعت بكونه ساكن البرج العاجي ، فكنا نلمح تضييقا في الخناق على القضاة واعتبار الإصداح بآرائهم ومواقفهم من قبيل التعدي الصارخ على واجب التحفظ ، الذي هيبة القاضي من مدى احترامه ، والمس الفادح من واجب الحياد .

ولئن توصلنا متقدّما إلى تقديم تعريف لواجب الحياد فإننا سنجد أنفسنا أمام عجز حقيقي عن إيجاد تعريف واضح وصريح وموحّد لواجب التحفظ.

فهذا المفهوم أدرج في القاموس القضائي ليكون رداء فضفاضا لا قياس له ولا مقاسات ولا ضوابط لمستعمله.

فتتبع قاضي من أجل رأي صرّح به سيكون سهلا طالما توشّح المُسائل بهذا المفهوم الأخير و” اٌتهم ” القاضي بأنه كسر واجب الأخلاقيات القضائية التي يستوعبها هذا المفهوم المطاطي بحسب الأهواء والرغبات والمصالح والخفايا والحسابات والولاءات..

بالتالي أول معضلة تجابه القاضي هو هذا المفهوم الذي أُختير له الغموض عمدا وطواعية.

وبقراءة فصول القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 والمتعلق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة في تونس نجد أن الفصل 24 منه والوارد في باب حقوق القضاة و واجباتهم اقتضى أنه ” على القاضي أن يتجنب كل عمل أو سلوك من شأنه المس بكرامة القضاء ” في حين اقتضى الفصل 50 من ذات القانون والوارد في باب التأديب أن ” كل عمل من شأنه أن يخل بواجبات الوظيفة أو الشرف أو الكرامة يقوم به القاضي يتكون منه خطأ موجب للتأديب .”

وبتفحّص الفصلين المذكورين نقف على أمرين ضروريين أولهما تمثل في الحديث صلب الفصل 24 عن كرامة القضاء والذي أجده مفهوما لا يستقيم باُعتبار أن للقضاء هيبة أما للقضاة كرامة وربما كان المقصود بما تم التنصيص عليه هو الحفاظ على هيبة القضاء ، أما ثانيهما فتعلق بإيراد مصطلح واجبات الوظيفة وهنا سأقتصر على هذا المعطى كأساس للخطأ الوظيفي طالما أننا نتحدث عن حق القاضي في حرية الرأي والتعبير.

حقيقة قد يكون من المجحف القول بأن القانون الأساسي المتعلق بالقضاة قد أتى بضوابط هجينة أو غير متعارف عليها ومتفق حولها .

فالاحتكام للمواثيق الدولية ذات الصلة والمبادئ الشاملة المتعلقة باستقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة تؤكد أن ما تضمنه قانوننا الأساسي الوطني لم يخرج عن القاعدة، فالبند 6-4 من مبادئ بنغالور  للسلوك القضائي  الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ينص على أنه ” يحق للقاضي ، كأي مواطن آخر ، حرية التعبير والعقيدة والارتباط والتجمع ولكن يتعين عليه دائما عند ممارسة تلك الحقوق أن يتصرف بشكل يحافظ فيه على هيبة المنصب القضائي وحياد السلطة القضائية واستقلالها ” كذلك فقد ورد بالبند 7-3 من مبادئ مجلس بيرغ بشأن استفلال السلطة القضائية أن القضاة ” يتمتعون بحرية الرأي والتعبير وتكوين الرابطات أثناء توليهم منصب القضاء بطريقة لا تتعارض مع مهامهم الوظيفية والقضائية أو قد تنال من حياد ونزاهة  القضاء.”

ما يلاحظ من خلال ما ورد في القانون الأساسي التونسي والمبادئ المتفق حولها الواردة صلب مبادئ بنغالور ومبادئ مجلس بيرغ وبعض القوانين والدساتير المقارنة على غرار الدستور المغربي تواتر مفاهيم والاتفاق حولها على غرار هيبة القضاء وحياد السلطة القضائية واستقلالها وحياد القاضي ونزاهة القضاء وعدم التعارض مع المهام الوظيفية والقضائية للقاضي و واجبات الوظيفة والشرف والكرامة..

لعلّ كل هذه المفاهيم والحدود تشكّل لبنات وأسس واجب التحفظ الذي ظل مبهما لا نعرف مدلوله الفعلي ولا ندرك مداه الذي يشكل حدودا لحرية الرأي والتعبير المكفولة للقضاة.

وبالتالي وترتيبا على ذلك ، فإن كل فعل أو كلام أو رأي أو قول أو تدوينة تنال من مبدأ من المبادئ المنصوص عليها أعلاه قد تدخل في خانة النيل من واجب التحفظ.

وبهذا المنظور قد يجوز القول بأن واجب التحفظ هو السلوك ” المفترض ” لدى كل قاضي بحكم وظيفته القضائية الذي يهدف إلى إعلاء هيبة القضاء وحفظ كرامة القضاة وشرفهم وعدم المساس بحيادهم والتشكيك في نزاهتهم تكريسا لاُستقلال السلطة القضائية.

وعليه يحقّ للقاضي ، بوصفه مواطنا ، أن يكون له آراؤه وأن يعبّر عنها بأي شكل من الأشكال التي لا تتعارض مع القانون ومع واجب التحفظ الذي حاولنا حصر مرماه وتحديد معناه.

ولكن مجرد الاعتراف بحق القضاة في أن يكون لهم رأي و بأن يعبروا عنه طرح في الآونة الأخيرة إشكالا مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي التي بمجرد كتابة تدوينة والضغط عليها لتنشر للعموم قد تقوم الدنيا ولا تقعد .

ما قد يدوّنه القاضي  ويعبّر عنه من مواقف مبناه وطنيته أولا ومواطنته ثانيا طبعا دون مخالفة واجب التحفظ، وهو ما أقرّه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أوجب مشاركة المواطن في الحياة العامة باعتباره واجبا وطنيا ومبدئيا هذه المشاركة بما هي واجب وطني مخولة للقضاة لكن دون إطلاق مثلما أشرنا إلى ذلك سابقا.

فهل أن القول بحياد القاضي وتحفظه يعني بالضرورة عزوفه عن الاهتمام بالشأن العام وخاصة منه الوطني والحقوقي خاصة مع تطور مفهوم قاضي الحقوق والحريات ؟

قطعا الإجابة ستكون بالنفي وإلا فإننا نكون قد أعدمنا حقا كونيا وطلبنا من القاضي ، فاقد الحق ، توفير الحماية له وهو المحروم من التمتع به.

نحن لا ننكر أن الخيط رفيع بين حق التعبير و واجب التحفظ كما لا ننفي أن الاستعمال غير الجيّد والمضبوط لمواقع التواصل الاجتماعي قد ينزع عن القاضي المبادئ ” المفترضة ” فيه ويجعله مرمى لتشكيك ورمي بتهم وادعاءات لكن لا جدال أن الصفة القضائية لا تعني تجريد القاضي من حقوق المواطنة وحبسه في قوقعة ” قضائية ” وتحريم استعماله لمواقع التواصل الاجتماعي التي أضحت جزءا لا يتجزّأ من الواقع اليومي.

والحقيقة أننا اليوم إزاء مبدأين قد يبدو أنهما على كفين متناقضين ألا وهما واجب التحفظ وحق القاضي في التعبير عن رأيه وهو ما جعلنا نعاين ملاحقات تأديبية لعدة قضاة على أساس ممارستهم لذلك الحق.

وفي هذا الإطار لا يفوتني أن أشيد بالدور الكبير الذي تضطلعه الهياكل القضائية للقضاة في حماية حق القاضي في التعبير عن رأيه والتصدي للملاحقات التأديبية التي أحيانا لا تكون بريئة ولا أساس ولا موجب لها غير الرغبة في السيطرة على القضاة وجعلهم مجرد ” آلة قضائية ” تصدر الأحكام دون أن يكون لهم رأي ودون أن يتسنى لهم التعبير عنه في نطاق المفروض والمستوجب .

ولئن منعت أغلب التشاريع المراقبة القبلية لكيفية ممارسة حق التعبير على غرار الدستور التونسي فإن مجال المراقبة اللاحقة قد اتسع وصار مرتعا للتضييق وفرض القيود خاصة بالنسبة للقضاة في خصوص ما قد ينشرونه على مواقع التواصل الاجتماعي من آراء ومواقف ، وهنا يحق لنا التساؤل حول جواز مراقبة الحسابات الشخصية للقضاة على مواقع التواصل الاجتماعي وتتبعها تكريسا لمفهوم مراقبة بعدية أو لاحقة ؟

هذا التساؤل قد يبدو غريبا باُعتبار أننا نتحدث عن قضاة يفترض فيهم التمييز بين ما لهم وما عليهم لذا فقد اتخذ التحريم والمنع سببا آخر قد يبدو معقولا ومستساغا لقضاة قد تذعن له اقتناعا أو على مضض إعلاء لمصلحة عليا ألا وهو الخشية من التجسس وهو ما تم انتهاجه في الجزائر من خلال مذكرة صادرة عن الأمانة العامة لوزارة العدل بالجزائر الواردة تحت عدد 411/2015 والتي وقع تعميمها سنة 2016 والتي تضمنت تحذيرا شديدا للقضاة من استعمال شبكات التواصل الاجتماعي بحجة أن الفايسبوك والتويتر تسيطر عليها أجهزة مخابرات أجنبية مما يكون معه الاستعمال ” غير الحذر ” لتلك المواقع خطرا على الحياة الشخصية للقاضي وعلى الامن العام القومي للبلاد.

ومن هنا انقسمت الآراء وتباينت المواقف بين مؤيد لحق القضاة في التعبير عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي  طالما لم يقع المساس بحيادهم واستقلاليتهم وبالسر المهني المحمول عليهم ، وبين رافض لمثل هذا الحق بالنظر إلى حساسية الوظيفة التي يتقلدها القاضي ولكون أي رأي قد يعبر عنه القاضي قد يكون سببا للتجريح فيه مستقبلا أو سندا للتشكيك في حياده و نزاهته واستقلاليته عن أصحاب المال أو النفوذ أو رجال السياسة أو حتى المسؤولين القضائيين ذوي الوظائف القضائية السامية.

لكن أخذا بعين الاعتبار حق القاضي كمواطن في التعبير عن رأيه وبين واجبه الوظيفي برز رأي تعديلي اعترف للقاضي بحقه في التعبير عن رأيه دون تجاوز القيود الشرعية والمشروعة والتي بيناها سابقا.

غير أنه هنا أيضا تمزقت المواقف بين من يرى بأن حرية التعبير للقضاة هي الأصل وبكون واجب التحفظ هو الاستثناء مقابل من يرى أن تحفظ القضاة وامتناعهم عن إبداء آرائهم والتصريح بها هو الأصل وأن حقهم في التعبير هو الاستثناء.

وهنا أيضا طرح الإشكال الجوهري الذي لطالما عرفه حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير والمتعلق بالتشدد والتعسّف في توظيف القيود بشكل جعلها هي المبدأ والأصل والحال أنها استثناءات فقط حُدّدت احتراما للقانون وحماية لحق الغير في عدم انتهاك حرمته والتعدي عليه وحماية لأمن بلاد ..

والحقيقة أن كنه التذبذب المذكور مرده بالأساس عدم وجود معايير واضحة ومحددة للسلوك القضائي الأمثل يمكن الاحتكام لها لتحديد ما إذا كان ما تم التصريح به من مواقف من قبل القاضي يدخل في نطاق حرية الرأي والتعبير أم هو نيل من واجب التحفظ المحمول عليه.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *