أخبار
الرئيسية / المجلة / إفراغ المُكتري من المحل التجاري لعدم أداء واجبات الكراء في المغرب: إنذار واحد أم إنذارين؟ / خالد أحربيل

إفراغ المُكتري من المحل التجاري لعدم أداء واجبات الكراء في المغرب: إنذار واحد أم إنذارين؟ / خالد أحربيل

 

الرئيس خالد أحربيل- باحث في العلوم القانونية، المغرب

 

لقد دخل القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي[1] حيز التنفيذ بتاريخ 11 فبراير 2017[2]، ويعتبر من أهم القوانين المعززة للترسانة القانونية في مجال الكراء بصفة عامة، كما أنه – بلا شك – نص يكتسي أهمية بالغة في تحسين مناخ الأعمال، وتتجلى هذه الأهمية على الخصوص في تشجيع الاستثمار، وضمان استقرار المعاملات، وتحقيق التوازن في العلاقة بين المكري والمكتري[3]، هذا من ناحية.

كما أنه من ناحية أخرى، حمل مجموعة من المستجدات التي وضعت حدا لمجموعة من الإشكالات الواقعية والقانونية التي كان يطرحها تطبيق مقتضيات ظهير 24 ماي 1955 بشأن عقود كراء الأملاك أو الأماكن المستعملة للتجارة أو الصناعة أو الحرف، كما وقع تغييره وتتميمه، والتي تم من خلالها تكريس ما استقر عليه الاجتهاد القضائي طيلة ستة عقود ونيف.

وعلى الرغم من المخاض العسير والطويل الذي ميز مسار هذا القانون، حيث استغرقت مناقشته بغرفتي البرلمان ثمان سنوات كاملة، فإنه نص وضع حدا لحقبة غير يسيرة عرفت تطبيق قانون لم يعد يجاري التطورات التي يعرفها عالم التجارة والأعمال[4].

ورغم محاسن هذا المستجد التشريعي، فإنه عرف منذ بداية العمل به ظهور مجموعة من الثغرات والإشكالات التي أفرزها تطبيقه العملي على مجموعة من الأصعدة، وتتعدد هذه الثغرات وتتنوع حسب المقارنة بين مواده ومحاولة الجمع بينهما، إذ إنه لوحظ أن بعض مواده تطرح إشكالات على مستوى التطبيق، إشكالات أفرزها تعدد المعاملات الكرائية وتعقدها.

وقد سار القضاء التجاري في سبيل سد النقص الحاصل على مستوى نصوص هذا القانون في توجهات عدة، آخذا نصب أعينه مبدأ “القضاء متشوف لحماية الأصل التجاري” الذي يعد من أهم المبادئ التي كرسها القضاء وحاول من خلالها حماية المقاولة وكل الفاعلين المرتبطين بها.

ولعل من أهم الإشكالات التي أفرزتها الممارسة العملية لهذا القانون، إشكال جديد اختلفت بشأنه المحاكم التجارية بمختلف ربوع المملكة، واختلف القضاة والمحامون في توجهات عدة، ولكل فريق مبرراته وعلله الخاصة، ويتمثل هذا الإشكال في هل المكري الراغب في إنهاء العلاقة الكرائية لعدم أداء المكتري لواجبات الكراء ملزم بتوجيه إنذارين مستقلين لهذا الأخير أم يكتفي فقط بإنذار واحد يشمل آجلين الأول للأداء والثاني للإفراغ؟

ولقد كان مصدر هذا الإشكال هو صعوبة التوفيق والجمع بين المادتين 8 و26 من ذات القانون اللتان تنصان على ضرورة منح المكتري أجلين، الأول 15 يوما لأداء ما تخلد بذمته من واجبات كرائية، والثاني 15 يوما لإفراغ العين المكتراة. وهكذا إذن نقرأ في الفقرة الأولى من المادة 8 ما يلي:” لا يلزم المكري بأداء أي تعويض للمكتري مقابل الإفراغ في الحالات الآتية:

  • إذا لم يؤد المكتري الوجيبة الكرائية داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ توصله بالإنذار، وكان مجموع ما بذمته على الأقل ثلاثة أشهر من الكراء”. ونقرأ في المادة 26 ما يلي:” يجب على المكري الذي يرغب في وضع حد للعلاقة الكرائية، أن يوجه للمكتري إنذارا، يتضمن وجوبا السبب الذي يعتمده، وأن يمنحه أجلا للإفراغ اعتبارا من تاريخ التوصل.

يحدد هذا الأجل في:

  • خمسة عشر يوما إذا كان الطلب مبنيا على عدم أداء واجبات الكراء أو على كون المحل آيلا للسقوط …”.

لمحاولة تحليل مضامين هذا الموضوع ومعالجة الإشكال المطروح، فإننا سنقسمه إلى مطلبين كالتالي:

المطلب الأول: التوجه القائل بضرورة توجيه إنذارين مستقلين.

المطلب الثاني: التوجه القائل بالاكتفاء بتوجيه إنذار واحد.

 

 

المطلب الأول: التوجه القائل بضرورة توجيه إنذارين مستقلين

في محاولة للتوفيق بين المادتين 8 و26 من القانون رقم 49.16 وتأويل أحكامهما، ذهب توجه أول في منحى ضرورة توجيه إنذارين مستقلين للمكتري، الأول خمسة عشر يوما لأداء ما تخلد بذمته من واجبات كرائية[5]، والثاني خمسة عشر يوما للإفراغ، ولقد استند هذا التوجه على مجموعة من الحجج والاعتبارات نوردها كالتالي:

  1. أن كل واحدة من المادتين المشار إليهما تشترط توجيه إنذار، وبالتالي فإن التطبيق السليم للقانون يقتضي توجيه إنذارين مستقلين، ولا يمكن الاستغناء عن ذلك بالاكتفاء بإنذار واحد لأن في ذلك خرق سافر للقانون.
  2. أن أجل خمسة عشر يوما في المادتين معا يبتدئ من تاريخ التوصل بالإنذار، وبالتالي فإن توجيه إنذار واحد إن كان سيبتدئ فيه أجل خمسة عشر يوما الأولى من تاريخ التوصل، فإنه يستحيل واقعا أن يبتدئ فيه الأجل الثاني من تاريخ التوصل، بل سيبدأ من تاريخ انتهاء الأجل الأول وهو على الأقل خمسة عشر يوما من تاريخ التوصل.
  3. أن المادة 26 تشترط في الإنذار بالإفراغ أن يتضمن وجوبا السبب الذي يعتمده المكري في هذا الشأن، ويستحيل أن يتحقق هذا السبب إلا بعد توجيه إنذار أول للمكتري لجعله متماطلا، وهذا التماطل هو السبب الجدي الذي سيعتمد عليه في دعوى المصادقة على الإنذار.
  4. أن توجيه إنذار واحد خرقا للنصوص القانونية من شأنه أن تترتب عليه آثار وخيمة على الأصل التجاري، ولا يعقل أن يتم الاعتماد على هذا التوجه وتقصير المساطر ضدا على إرادة المشرع، وأن الأصل التجاري مهدد بهذا الإجراء البسيط الذي من شأنه أن يهضم حقوق المكتري ويعصف بأصله التجاري، سيما وأن هذه الحالة تعتبر من بين حالات إفراغ المكتري من المحل التجاري دون تعويض.
  5. أن الإنذارين مقترنين ببعضهما البعض، وأنه رغم أن الإنذار الثاني المتعلق بالإفراغ هو الذي يتم تصحيحه من طرف المحكمة، فإنه لا تقوم له قائمة إلا بعد توجيه الإنذار الأول المتعلق بالأداء ومنح المكتري أجل 15 يوما المنصوص عليها قانونا ليكون متماطلا ويتحقق من ثمة السبب الذي سيبنى عليه الإنذار الثاني.

وهذا التوجه هو الذي ذهبت فيه المحكمة التجارية بأكادير في بداية الأمر، إذ إنها تكتفي بمجرد توجيه إنذار واحد للمكتري لتصادق عليه، وعلى سبيل الاستدلال جاء في حكم لذات المحكمة ما يلي:” وحيث إن المدعى عليه توصل شخصيا بالإنذار بأداء واجبات الكراء عن الفترة من 10/10/2005 إلى غاية 10/03/2017 أي مبلغ 15500.00 درهم واجب كراء 155 شهرا.

وحيث إنه أثناء الاجراءات تبين أن المدعى عليه لا يوجد بموطنه مما ترتب عنه إنجاز إجراءات القيم في حقه.

وحيث يتعين تبعا لذلك الحكم على المكتري بأداء مبلغ 15200.00 درهم واجب الكراء عن الفترة الآنفة الذكر.

وحيث إن التوصل بالإنذار بالأداء وعدم المبادرة إلى الأداء داخل أجل 15 يوما يجعل المكتري مماطلا في الوفاء بالتزاماته مما يوجب الحكم عليه بتعويض عن التماطل تقدره المحكمة بكل اعتدال في مبلغ 1500.00 درهم.

وحيث إن عدم أداء واجبات الكراء بعد مرور الأجل يوجب فسخ العقد والتصديق على الإنذار بالإفراغ والحكم بإفراغ المكتري هو ومن يقوم مقامه أو بإذنه من المحل موضوع الكراء”[6].

كما جاء في حكم آخر ما يلي:” وحيث إن عدم أداء واجبات الكراء رغم التوصل بالإنذار ومرور أجل 15 يوما يجعل المكترية مماطلة في الوفاء بالتزاماتها مما يوجب الحكم عليها بتعويض تقدره المحكمة بكل اعتدال في مبلغ 10.000.00 درهم.

وحيث إن عدم أداء واجبات الكراء يعد سببا خطيرا ومشروعا للإفراغ.

وحيث إن الإنذار بالإفراغ مستوف للشروط المنصوص عليها في الفصل 26 من القانون رقم 49.16 مما يوجب المصادقة على الإنذار بالإفراغ والمبلغ للمكترية والحكم بإفراغها هي ومن يقوم مقامها ولو بإذنها من المحل التجاري المكترى”[7].

إلا أنها، وبعد نقاش عميق[8]، سرعان ما تراجعت عن هذا التوجه وأصبحت تلزم المكري بتوجيه إنذارين مستقلين للمكتري، ثم بعد ذلك سلوك مسطرة المصادقة على الإنذار، وهكذا نقرأ في حكم صادر عن هذه المحكمة ما يلي:” حيث إنه بخصوص الطلب الرامي إلى الحكم بفسخ العلاقة الكرائية وبإفراغ المدعى عليها هي ومن يقوم مقامها أو بإذنها من المحل موضوع الكراء، فإنه يستفاد من وثائق الملف خاصة الإنذار المحرر به محضر إخباري والمدلى به من طرف المدعي أنه يتعلق بالأداء ويتضمن أجلا للأداء فقط، في حين أن المادة 26 من القانون 49.16 تنص على أنه يجب على المكري الذي يرغب في وضع حد للعلاقة الكرائية أن يوجه للمكتري إنذارا يتضمن وجوبا السبب الذي يعتمده وأن يمنحه أجلا للإفراغ يحدد في خمسة عشر يوما إذا كان الطلب مبنيا على عدم أداء واجبات الكراء أو على كون المحل آيلا للسقوط، وأن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش أقرت عدم قبول جميع طلبات الإفراغ التي تستند إلى إنذار واحد متعلق بالأداء فقط، بل أوجبت ضرورة وجود إنذار آخر بالإفراغ يتضمن أجلا لذلك يبتدئ من تاريخ تبليغه بعد تحقق المطل بموجب الإنذار الأول، مما يكون معه طلب الفسخ والإفراغ سابق لأوانه ويتعين الحكم بعدم قبوله”[9].

وجاء في حكم آخر لذات المحكمة ما يلي:” حيث إن المكري سبق له أن وجه إنذارا إلى المكترية بأداء واجبات الكراء عن الفترة من 01/11/2018 إلى غاية متم يونيو 2019 بحسب سومة كرائية شهرية قدرها 1000.00 درهم.

وحيث إن الإنذار بالأداء لم يبلغ للمكترية لعلة أن المحل المكترى مغلق مما تعذر معه التبليغ.

وحيث إنه بعد فوات أجل الأداء الوارد بالإنذار بالأداء وجه المكري إنذارا ثانيا يتضمن المطالبة بالإفراغ تعذر تبليغه لنفس العلة الآنفة الذكر.

وحيث إنه عملا بالفصلين 8 و26 من القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، فإن المكري الذي يرغب في وضع حد للعلاقة الكرائية يوجه للمكتري إنذارا يتضمن لزوما السبب الذي يعتمده ويمنحه أجلا للإفراغ اعتبارا من تاريخ التوصل، وأن هذا الأجل يكون 15 يوما إذا كان الطلب مبنيا على عدم أداء واجبات الكراء، وإذا تعذر تبليغ الإنذار بالإفراغ لكون المحل مغلق باستمرار، جاز للمكري إقامة دعوى المصادقة على الإنذار بعد مرور الأجل المحدد في الإنذار اعتبارا من تاريخ تحرير محضر بذلك، وأنه بمقتضى المادة 27 من نفس القانون إذا تبين للجهة القضائية المختصة صحة السبب المبني عليه الإنذار قضت وفق طلب المكري الرامي إلى المصادقة على الإنذار وإفراغ المكتري.

وحيث إن الإنذار بالإفراغ في النازلة الحالية تعذر تبليغه حسب المحضر الإخباري المنجز من طرف المفوض القضائي، وأن الدعوى الحالية بالمصادقة رفعت بعد مرور أجل خمسة عشر يوما من تاريخ تحرير المحضر مما يوجب المصادقة على الإنذار بالإفراغ والحكم بإفراغ المكترية هي ومن يقوم مقامها أو بإذنها من المحل المكترى”[10].

وجاء في حيثيات حكم آخر ما يلي:” حيث إن المدعى عليه توصل من المدعي بإنذار بأداء واجبات الكراء عن الفترة من 01/01/2019 إلى غاية متم شهر أبريل 2019 بحسب سومة كرائية شهرية قدرها 1650.00 درهم.

وحيث إن المكتري توصل بالإنذار بالأداء بتاريخ 24/06/2019 وتم منحه أجل 15 يوما إلا أن المكتري لم يف بالتزامه.

وحيث إن المكتري توصل لاحقا بعد مرور 15 يوما على الإنذار بالأداء بإنذار ثان يتضمن المطالبة بإفراغ المحل المكترى مانحا إياه أجل 15 يوما للإفراغ.

وحيث إن عدم أداء واجبات الكراء يعد سببا خطيرا ومشروعا للإفراغ، وأن الإنذار بالإفراغ مستوف للشروط المنصوص عليها في الفصل 26 من القانون رقم 49.16 المنظم لكراء العقارات والمحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي.

وحيث يتعين المصادقة على الإنذار بالإفراغ المبلغ للمكتري بتاريخ 24/06/2019 والحكم بإفراغ المدعى عليه هو ومن يقوم مقامه أو بإذنه من المحل موضوع الكراء”[11].

وهذا التوجه هو الذي سلكته محكمة الاستئناف التجارية بفاس، إذ جاء في قرار لها ما يلي:” حيث إن المشرع بمقتضى هذا القانون أوجب على المكري الذي يرغب في وضع حد للعلاقة الكرائية لأي سبب كان، بما في ذلك الأسباب المبررة للإعفاء الكلي أو الجزئي من التعويض، أن يوجه للمكتري إنذارا يتضمن وجوبا السبب الذي يعتمده وأن يمنحه أجلا للإفراغ اعتبارا من تاريخ التوصل الكل وفق ما هو مفصل في المادة 26 من القانون المذكور، وبالتالي فإنه بالرجوع إلى الإنذار المعتمد يتضح أن المكرية المستأنف عليها طالبت المكتري بأداء واجبات الكراء أعلاه ومنحته أجل 15 يوما من تاريخ التوصل به تحت طائلة اللجوء إلى المحكمة من أجل المطالبة بفسخ العقد مع الأداء والتعويض عن التماطل دون أن تعرب له عن رغبتها في وضع حد لعقد الكراء الرابط بينهما وتطالبه بالإفراغ مع منحه أجل 15 يوما للإفراغ امتثالا للمقتضى القانوني المذكور أو في إنذار آخر مادام أن الإنذار المبلغ له يثبت فقط التماطل في أداء الكراء وفق مقتضيات المادة 8 من القانون المذكور حسبما انتهت إليه محكمة الدرجة الأولى على صواب مما يجعل الإنذار المعتمد غير مستوفي لمقتضيات المادة 26 المذكورة وبالتالي غير مرتب لآثاره القانونية وطلب الإفراغ تبعا لذلك في غير محله ومآله عدم القبول ليس إلا”[12].

المطلب الثاني: التوجه القائل بالاكتفاء بتوجيه إنذار واحد

إلى جانب التوجه الآنف الذكر، هناك توجه آخر يرى أنه لا حاجة إلى توجيه إنذارين مستقلين للمكتري، وإنما يكفي توجيه إنذار واحد يتضمن أجلين، الأول للأداء وتحقق المطل، والثاني للإفراغ، واعتمد هذا التوجه على مجموعة من الحجج التي نجملها فيما يلي:

  1. أن مسالة منح المكتري أجلين، الأول لتحقيق المطل والثاني للإفراغ، تتحقق بمجرد توجيه إنذار واحد يشار فيه إلى منح المكتري أجل 15 يوما للأداء وفي حالة رفضه ذلك يمنح له أجل 15 يوما إضافيا للإفراغ.
  2. أن المطل يتحقق تلقائيا بمجرد انتهاء أجل 15 يوما الأولى الممنوحة للمكتري دون أن يؤدي ما بذمته من واجبات كرائية، وبعد ذلك يكون السبب المعتمد في الإفراغ قد استجمع جميع عناصره ويكون قائما، ويتعين فقط منحه أجل 15 يوما أخرى للإفراغ وأن يشار إلى ذلك في الإنذار الوحيد الموجه له.
  3. أن المكتري الذي تخلدت بذمته ثلاثة أشهر من واجبات الكراء يكون سيء النية، ولا حاجة إلى تعقيد الإجراءات في مواجهة المكري الذي يرغب في وضع حد للعلاقة الكرائية، وبالتالي تكون مسألة توجيه إنذار واحد يتضمن أجلين مسألة فعالة وتمنع تحايل المكتري في هذا الصدد.
  4. أن اعتماد ممارسة مسطرة جديدة لتبليغ الإنذار بالإفراغ تكون مكلفة للمتقاضي، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يستوجبه ذلك من استعانة بالمفوض القضائي في مباشرة تلك الإجراءات أو استصدار أوامر قضائية بالتبليغ، لذا يستحسن أن يتم فقط احترام هذا الأجل فعليا بعد مرور 15 يوما المحددة بالإنذار بالأداء آنذاك فقد تحقق المطل، ويتم بعد ذلك منح المكتري أجل 15 يوما للإفراغ دون الحاجة إلى إنذار جديد بالإفراغ.
  5. أن الذي يصحح هو الإنذار بالإفراغ وليس الإنذار بالأداء، وأن المشرع لم تكن غايته تصحيح الإنذارين معا، ولكن فقط تصحيح الإنذار الثاني، والدليل على ذلك أن المشرع نفسه عنون الفرع الأول من الباب الثاني عشر من ذات القانون ب “دعوى المصادقة على الإنذار” وليس دعوى المصادقة على الإنذارين، وبالتالي يكفي أن يوجه للمكتري إنذار واحد يتضمن أجلين ليكون صحيحا من الناحية الإجرائية.

وتأكيدا لهذا التوجه جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بمراكش ما يلي:” حيث أسس المستأنف طعنه بعد عرضه لموجز الوقائع على أن شروط ممارسة دعوى المصادقة على الإنذار التي نص عليها الفصل 26 لا تحتمل التفسير، وأن الإنذار المبلغ للمستأنف عليها احترم الفصل 26 بتضمين الإنذار سبب الإفراغ ومنحها أجل 15 يوما للإفراغ، وأنه لا ينص على ضرورة توجيه إنذارين للمكتري، خاصة وأن القانون رقم 49.16 جاء لتخفيف الإجراءات المسطرية على الطرفين وتقصير أمد النزاع، كما أنه عند غموض النص وجب على القاضي استحضار الأعمال التحضيرية لصدور نص تشريعي، وأن ذكر أجل 15 يوما في الفصل 8 من القانون وتكراره في الفصل 26 لا يعني بالضرورة أن المكري ملزم بتوجيه إنذارين، ملتمسا إلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من عدم قبول طلب الإفراغ والتصدي والحكم وفق الطلب وتأييده في الباقي.

وحيث صحت الوسلية التي أسس عليها المستأنف طعنه، ذلك أن المشرع اشترط منح المكتري أجلين، الأول للأداء والثاني للإفراغ، وأنه بالاطلاع على الإنذار المبلغ للمكترية تبين للمحكمة أنه اشتمل الأجلين معا، وأنه لا وجود لأي نص قانوني يفرض توجيه إنذارين متتاليين ومختلفين، الأول بالأداء والثاني يحمل أجل الإفراغ، وإنما غاية المشرع منح الأجلين معا ولو جاءا في إنذار واحد، وأن ما اعتبره الحكم المستأنف جاء غير صائب لما أوجب بعث إنذارين متتاليين، الأمر الذي يتعين معه إلغاء الحكم المستأنف جزئيا والحكم من جديد بالمصادقة على الإنذار بالإفراغ المبلغ للمستأنف عليها وإفراغها من المحل الكائن بزنقة عبد العزيز الماسي رقم 24 مكرر حي الموظفين أكادير هي ومن يقوم مقامها أو بإذنها مع رفض طلب الغرامة التهديدية لوجود وسائل بديلة للتنفيذ مع تأييد الحكم المستأنف في الباقي وتحميل المستأنف عليها الصائر”[13].

كما جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء ما يلي:” وحيث يستفاد باستقراء المادة المذكورة أن الأجل الواجب منحه للمكتري في حالة توقفه عن أداء الكراء هو خمسة عشر يوما، وأنه بانصرام هذا الأجل ابتداء من تاريخ التوصل فإن المكري يحق له المطالبة بالمصادقة على الإنذار من أجل الافراغ، وفي النازلة الحالية فالطرف المكتري رغم توصله بالإنذار لم يبادر إلى أداء ما بذمته من واجبات كرائية عن المدة المحددة مما يبقى معه الحكم مصادفا للصواب فيما قضى به من إفراغ في مواجهته”[14].

وفي الأخير، نعتقد أن لكل واحد من التوجهين أعلاه وجاهته وعلله الخاصة، إن في سبيل احترام القانون وإرادة المشرع، وإن في سبيل عدم تكليف المتقاضي أكثر مما لا يطيق، ونميل شخصيا إلى التوجه القائل بضرورة توجيه إنذارين مستقلين، وذلك احتراما لإرادة المشرع وتطبيق القانون التطبيق الأمثل وحماية الأصل التجاري، لأنه يصعب فعلا التوفيق بين المادتين 8 و26 من القانون رقم 49.16 بسلوك منحى توجيه إنذار واحد، والنص واضح وصريح في هذا الصدد.

 

 

[1]– الظهير الشريف رقم 1.16.99 الصادر في 13 من شوال 1437 (18 يوليوز 2016) بتنفيذ القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6490 بتاريخ 7 ذي القعدة 1437 (11 غشت 2016)، ص 5857.

[2] – وذلك حسب ما يستفاد من الفقرة الأولى من المادة 38 من ذات القانون التي تنص على أنه:” يدخل هذا القانون حيز التنفيذ بعد انصرام أجل ستة أشهر ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وتطبق أحكامه على عقود الكراء الجارية وعلى القضايا غير الجاهزة للبت فيها دون تجديد للتصرفات والإجراءات والأحكام التي صدرت قبل دخول هذا القانون حيز التنفيذ”.

[3]– راجع في هذا الخصوص كتاب: القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي في شروح، الصادر عن وزارة العدل والحريات بتاريخ فبراير 2017، ص 5.

[4] – القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي في شروح، م.س، ص 6.

[5]– تجدر الإشارة إلى أنه استنادا لصريح المادة من ذات القانون، فإنه يتعين أن يكون مجموع ما بذمة المكتري من واجبات كرائية لا يقل عن ثلاثة أشهر من الكراء، وقد ذهب القضاء في سبيل تفسيره لهذا المقتضى إلى أن ثلاثة أشهر يجب أن تتحقق مدة ومبلغا، وهذان الوصفان مقترنان بحيث من شأن تخلف أحدهما أن يرفض طلب المكري بهذا الصدد.

كما أنه قد يحدث أن يؤدي المكتري الضريبة على الدخل ويقتطعه من مبلغ الوجيبة الكرائية، وهذا شيء مشروع، لأن واجبات الضريبة على الدخل مفروضة قانونا على المكري وذلك بصريح الفصلين 154 مكرر و160 مكرر من المدونة العامة للضرائب، وفي هذا الصدد جاء في حكم للمحكمة التجارية بأكادير ما يلي:” وحيث إن المكترية لم تؤد سوى مبلغ 10980.00 درهم حسب الشيك الذي توصل به محامي المدعي بتاريخ 20/05/2019 وهو أداء جزئي تم داخل الأجل المضروب في الإنذار.

وحيث إن باقي المبلغ الذي هو 2750.00 درهما قد تم أداؤه لفائدة إدارة الضرائب والذي يشكل جزءا من الضريبة على الدخل.

وحيث إن الاقتطاع الذي قامت به المكترية من المبلغ الإجمالي المستحق من الكراء اقتطاع مشروع يفرضه الفصل 154 مكرر والفصل 160 مكرر من المدونة العامة للضرائب لسنة 2019.

وحيث إن المقتضيات الآنفة الذكر توجب على الشركات سواء العاملة في القطاع الخاص أو العام وكذا على الأشخاص الطبيعيين الذين يمسكون محاسبة اقتطاع من واجب الكراء الشهري بنسبة 10% إذا كان مجموع الكراء السنوي لا يتجاوز 120.000.00 درهم ونسبة 15% إذا كان مجموع الكراء السنوي يتجاوز الحد الآنف الذكر وتدفع المبالغ المقتطعة شهريا لإدارة الضرائب على أساس أنها تشكل الواجب على الدخول العقارية الملقاة على عاتق الطرف المالك للعقار. وللمالك الاعتراض على الاقتطاع الشهري من طرف المكتري إذا اختار الأداء المباشر لإدارة الضرائب ضمن تصريح وشكليات منصوص عليها في مدونة الضرائب وإعلام المكتري بذلك.

وحيث إنه بذلك يكون تصرف المكترية مؤسس والأداء الذي تم مبرئ لذمة المكترية”.

– حكم المحكمة التجارية الصادر بتاريخ 17/10/2019 في الملف عدد 1577/8219/2019، غير منشور.

[6]– حكم المحكمة التجارية بأكادير الصادر بتاريخ 13/09/2018 في الملف عدد 352/8206/2018، غير منشور

[7]– حكم المحكمة التجارية بأكادير الصادر بتاريخ 05/07/2018 في الملف عدد 1307/8206/2018، غير منشور.

وغير ذلك كثير من الأحكام الصادرة في هذا الصدد، ويمكن القول بأن جميع الأحكام الصادرة قبل سنة 2019 ذهبت فيها المحكمة التجارية بأكادير نحو الاكتفاء بإنذار واحد.

راجع في هذا الصدد أيضا الأحكام التالية:

– حكم المحكمة التجارية بأكادير الصادر بتاريخ 20/09/2018 في الملف عدد 1647/8206/2018، غير منشور.

– حكم المحكمة التجارية بأكادير الصادر بتاريخ 20/09/2018 في الملف عدد 1758/8206/2018، غير منشور.

– حكم المحكمة التجارية بأكادير الصادر بتاريخ 11/05/2017 في الملف عدد 2869/8206/2014، غير منشور.

– حكم المحكمة التجارية بأكادير الصادر بتاريخ 05/10/2017 في الملف عدد 1089/8201/2017، غير منشور.

[8]– عرفت الدائرة الاستئنافية لمحكمة الاستئناف التجارية بمراكش نقاشا عميقا بخصوص هذه النقطة، إذ نظمت لقاء علميا حضره قضاة الدائرة الاستئنافية بمراكش والمسؤولون القضائيون بها وترأسه الرئيس الأول لذات المحكمة، وكان ذلك بقصد توحيد الاجتهاد القضائي بهذا الصدد، وبعد نقاش مستفيض انقسم الحاضرون إلى توجهين، الأول يقتضي ضرورة توجيه إنذارين مستقلين، والثاني يذهب في اتجاه الاكتفاء بإنذار واحد، ولكل منهم مبرراته الخاصة. إلا أن مخرجات هذا النقاش ذهبت في اتجاه الانتصار للتوجه الأول وفرض ضرورة توجيه إنذارين مستقلين بهذا الخصوص.

[9]– حكم المحكمة التجارية بأكادير عدد 1488 الصادر بتاريخ 04/07/2019 في الملف عدد 1083/8206/18، غير منشور.

[10]– حكم المحكمة التجارية بأكادير بتاريخ 24/10/2019، الصادر في الملف عدد 1649/8219/2019، غير منشور.

[11]– حكم المحكمة التجارية بأكادير بتاريخ 24/10/2019، الصادر في الملف عدد 1582/8219/2019، غير منشور.

وفي نفس السياق جاء في حكم آخر لذات المحكمة أنه:” وحيث تنص المادة 8 من القانون 49.16 على أن المكري لا يلزم بأداء أي تعويض للمكتري مقابل الإفراغ إذا لم يؤد المكتري الوجيبة الكرائية داخل أجل 15 يوما من تاريخ توصله بالإنذار وكان مجموع ما بذمته على الأقل ثلاثة أشهر من الكراء، واستنادا الى وثائق الملف فإن المكري لما قام ببعث انذار بالأداء الى المدعى عليه فإن بذمته أزيد من ثلاثة أشهر من الكراء مدة ومبلغا، وان الملف خال مما يفيد استجابة المدعى عليه للإنذار بالأداء.

وحيث إن المطل في إطار القواعد العامة لا يتحقق الا في حالة تأخر المدين عن تنفيذ التزامه، كليا أو جزئيا، من غير سبب مقبول، اما بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للالتزام، أو بعد فوات الأجل المضمن في إنذار صريح بوفاء الدين طبقا للفصلين 254 و255 من قانون الالتزامات والعقود، وأن المدعى عليه في حالة مطل لعدم استجابته للإنذار بالأداء المبلغ له، وأن المدعي بعد تحقق المطل بموجب الإنذار الأول أنذر المدعى عليه بإفراغ العين المكتراة وذلك بموجب الإنذار بالإفراغ المبلغ له بتاريخ 16/04/2019، ومنح له أجل 15 يوما للإفراغ ثم تقدم بالدعوى الحالية الرامية إلى المصادقة عليه بعد مرور الأجل القانوني.

وحيث إن مطل المدعى عليه يعتبر سببا جديا للإفراغ طبقا للمادة 8 من القانون 49.16 طالما أن المدعي سلك المسطرة المنصوص عليها في المادة 26 من نفس القانون، وأنه استنادا للفصل 27 منه فإن صحة السبب المبني عليه الإنذار يقابله المصادقة عليه والحكم بإفراغ المكتري، مما يتعين معه الاستجابة لطلب المدعي الرامي إلى المصادقة على الإنذار موضوع الدعوى وإفراغ المدعى عليه من المحل المكترى”.

– حكم المحكمة التجارية بأكادير عدد 1494 الصادر بتاريخ 04/07/2019 في الملف عدد 1125/8219/2019، غير منشور.

وعلى سبيل الاستزادة راجع الأحكام التالية:

– حكم المحكمة التجارية بأكادير عدد 1492 الصادر بتاريخ 04/07/2019 في الملف عدد 741/8219/2019، غير منشور.

– حكم المحكمة التجارية بأكادير عدد 1488 الصادر بتاريخ 04/07/2019 في الملف عدد 1083/8206/2018، غير منشور.

– حكم المحكمة التجارية بأكادير عدد 1495 الصادر بتاريخ 04/07/2019 في الملف عدد 1126/8219/2019، غير منشور.

 

 

[12]– قرار محكمة الاستئناف التجارية بفاس عدد 1543 الصادر بتاريخ 11/7/2019 في الملف عدد 1128/8206/2019، أورده: مصطفى بونجة، إفراغ المحلات التجارية بسبب التماطل بين تضارب العمل القضائي و روح القانون 49.16، مقالة منشورة بالموقع الالكتروني: www.maroclaw.com ، إطلع عليه بتاريخ 21/12/2019 على الساعة 14:43 زوالا.

 

 

[13]– قرار محكمة الاستئناف التجارية بمراكش رقم 881 الصادر بتاريخ 29/05/2019 في الملف رقم 731/8206/2019، غير منشور.

[14]– قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء عدد 2240 الصادر بتاريخ 2018/05/02 في الملف رقم 1752/8206/2018، أورده: مصطفى بونجة، م.س، إطلع عليه بتاريخ 21/12/2019 على الساعة 14:53 زوالا.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *