الرئيسية / المجلة / في ظلِّ الأزمات… هل أصبحت العدالة الالكترونية ضرورة مُلحّة؟ القاضي د. محمد الطراونة

في ظلِّ الأزمات… هل أصبحت العدالة الالكترونية ضرورة مُلحّة؟ القاضي د. محمد الطراونة

 

 

القاضي الدكتور محمد الطراونة، نائب رئيس محكمة التمييز الأردنية، خبير دولي في مجال حقوق الإنسان

 

على ضوء أزمة كورونا وما فرضته من تحديات على العالم بأسره وفى شتى مناحي الحياه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، نجد أن العدالة ليست بمعزل عن ذلك الامر الذى يطرح سؤالا مفاده هل أصبحت العدالة الالكترونية ضرورة ملحة؟

اتخذ العديد من الخطوات في مجال العدالة الالكترونية سابقا، ودارت النقاشات التي تمحورت حول ضرورة المضي قدما في هذا المجال، ومساهمة منى بهذا الصدد أقول انه وفى في ظل التطور التقني المتسارع، الذي يفرز كل يوم جديدا في عالم التكنولوجيا والذي يجب مواكبته .. وفي إطار التحولات العالمية نحو العولمة، واندماج المجتمعات وفي إطار المتغيرات التي يشهدها العالم .. ظهر ما يعرف بالعدالة الالكترونية والتي هي جزء من نظم الحكومة الالكترونية.

إن القضاء كغيره من المجالات التي تتسارع وسائل تطويره بتطور المجتمع ولا بد من مواكبة هذه التطورات والمستجدات والمتغيرات التي يشهدها العالم للتفاعل معها بإيجابية والتعاطي مع قضاياه من منطلق ان قضاء اليوم هو القضاء الناجز والسريع والفعال ومن هنا تأتي اهمية توظيف التكنولوجيا في مجال العدال وادارة المحاكم.

إن النظام القضائي لم يكن بمنأى عن هذه التطورات واستيعابها والتفاعل معها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من منظومة العمل الحديث الذي يتطلب مواكبته والتفاعل معه.

وإن تعاطي القضاء مع المستجدات الإلكترونية التي تمضي بوتيرة متسارعة تعكس القدرة على التعامل مع هذه التطورات وإيجاد الأطر التي تنظم مجالات عملها، كما أن اعتماد خدمة الرد الآلي التفاعلي مثلا هو خطوة لتفعيل المحكمة الالكترونية لتقديم خدمات الكترونية لمختلف الجهات الرسمية والموظفين، كالتأكد من سريان مفعول الوكالات والتي تخدم عدة جهات رسمية كالبنوك والسفارات إلى جانب خدمة الاستعلام عن المعاملات من خلال (الرد الآلي) استعلام المواطنين عن سير المعاملات في وزارة العدل، دون الذهاب ومراجعة المحاكم، وكذلك بعض الخدمات في تفعيل نظم المحكمة الالكترونية بمعرفة مواعيد جلسات المحاكمة والقرارات الصادرة عبر رسائل قصيرة SMS للتذكير بمواعيد الجلسات في المحاكم العامة والمحكمة الجزئية والدوائر الإدارية التابعة للمحاكم.

والمحكمة الالكترونية من حيث مفهومها هي البيئة التي تتحقق فيها خدمات المواطنين واستعلاماتهم وتتحقق فيها الانشطة التابعة للدائرة المعنية من دوائر المحكمة بذاتها او فيما بين الدوائر المختلفة باستخدام شبكات المعلومات والاتصال عن بعد

ونجد إن الهدف من إنشاء المحكمة الإلكترونية يتمثل بما يلى :

  1. استخدام الإمكانيات الهائلة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في زيادة قدرة المحاكم على توفير المعلومات والخدمات بسهولة ويسر.
  2. التقليل من التزاحم وعدد مرات التردد على الأجهزة التابعة للمحكمة.
  3. تحقيق مبادئ العدالة والشفافية الكاملة للحصول على الخدمات.
  4. تحقيق الديمقراطية الإلكترونية والنزاهة الإلكترونية ورعاية المواطن وحوسبة الإدارات التابعة للمحاكم.
  5. الوصول إلى تطبيق ناجح للمحكمة الإلكترونية ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار الجوانب التشريعية والإدارية والفنية والإنسانية.
  6. تبني أدوات المحكمة الإلكترونية يعني أن القضاء بشقيه العادي والإداري مدعو للقيام بدوره وهو فض المنازعات من خلال إنزال حكم القانون على الوقائع في إطار هذا المتغير الجديد.
  7. استخدام الأداة الجديدة في عمل المحاكم يعني أن القاضي الإداري سوف يتعامل مع واقع نشر جديد كما أن الإمكانات التي تقدمها هذه الأدوات من الممكن أن تؤثر على قواعد الاختصاص وهذا يعني أن القاضي الإداري مضطر للتعامل مع قواعد جديدة
  8. كما أن القاضي العادي سوف يتأثر بلا شك بقدوم هذه الأدوات ذلك أن تبني السلطة القضائية لهذه الأدوات لا يمكن أن يتصور إلا بشكل متزامن مع استخدام أفراد المجتمع لها في تعاملهم مع الإدارة أو في ما بينهم بل أن التعامل بالنسبة للأفراد بهذه الأدوات سابق في كثير من الأحيان على التعامل الإداري بها
  9. أن القاضي العادي سوف يواجه نزاعات يشكل استخدام وسائل الاتصال الحديثة عنصراً أساسياً فيها (اختراق المواقع الإلكترونية، انتهاك التوقيع الإلكتروني، انتهاك التحويل الإلكتروني للأموال) وهذا النزاعات تحتاج في غياب النص إلى اجتهاد من قبل القاضي المدني أما القاضي الجنائي فهو مقيد في كثير من الفرضيات بقاعدة أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. وإلى جوار العلاقة السابقة للقضاء باستخدام وسائل الاتصال الحديثة فإنه مدعو كجهاز استخدام هذه الوسائل وهو بصدد القيام بوظائفه كجهاز إداري، ان مصطلح (المحكمة الالكترونية) يعد من المصطلحات والمفاهيم الحديثة، حيث انه لم يظهر الا قبيل سنوات بعد انتشار مصطلح الحكومة الالكترونية.

 

المقصود بالمحكمة الالكترونية:

واذا كان مصطلح (الحكومة الالكترونية) يعنى بالخدمات الحكومية كافة، فان مصطلح (المحكمة الالكترونية) يختص بخدمات المحاكم فقط

كما ان مصطلح (المحكمة الالكترونية او العدالة الالكترونية) يعنى تفعيل تقنية المعلومات بالشكل الامثل، بما يساعد على جودة الخدمات وسرعة انجازها كما تنقسم خدمات المحكمة الالكترونية الى :

خدمات المواطنين والافراد –

وخدمات القطاع التجاري –

خدمات الجهات الحكومية الاخرى

وخدمات قضاة وموظفي المحكمة-

وخدمات المحامين. –

وان تطبيق التقنية في الادارة القضائية بالشكل الصحيح والمتدرج له اثر ايجابي. ويشمل هذا الأثر سرعة الانجاز للمعاملات والقضايا وتوحيد وتبسيط اجراءات العمل، والمساهمة في امن المعلومات بحفظها واتاحة الاطلاع عليها للمصرح لهم اضافة الى ضمان جودة العمل ومواكبة التطور

وان نجاح التقنية مرتبط بالاهتمام بالعناصر الاخرى المؤثرة في تقديم الخدمات من قبل المحاكم، وهي :

  • تطوير التقنية
  • الموارد البشرية
  • اجراءات العمل

فيجب التركيز على هذه العناصر الثلاثة، وذلك من خلال الاهتمام بالموارد البشرية، ورفع مستوى منسوبيها فنيا وتطويريا، وعقد الندوات وورش العمل المتخصصة للقضاة وكتاب العدل.

كما أن انظمة (المحكمة الالكترونية) تشمل كلا من نظام ادارة البوابة الالكترونية ونظام المرافعات ونظام الاتصالات الادارية ونظام ادارة القضايا ونظام التسجيل الصوتي، ونظام ادارة المحتويات ونظام ادارة الاداء، اضافة الى ادارة خدمات تقنية المعلومات التحتية من اجهزة وبرامج وامن المعلومات

وان تطبيق (المحكمة الالكترونية) يتطلب العديد من المتطلبات النظامية والادارية والفنية، بالإضافة الى الكادر البشري، مثل انظمة التحقق من الهوية الالكترونية وحجية المستندات الالكترونية ودعم الادارة العليا واعادة هندسة اجراءات العمل الادارية والاهتمام بادارة التغيير وبنى الاتصالات التحتية وتطوير الموظفين وغير ذلك

ونجد ان الاتجاه لتطبيق نظام المحكمة الالكترونية أمر مطلوب، وأصبح ضروريا في عصر أخذ يعتمد على الحاسب الآلي في كثير من معاملاته إن لم يكن فيها كلها، وقد سعت الكثير من البلدان منذ فترة ليست قصيرة لتوسيع نطاق المحكمة الالكترونية، لما لذلك من فوائد مهمة للمواطن، الذي قد يقوم بكل إجراءاته ومعاملاته من البيت أو العمل وبكل دقة واتقان وسرية، بعيدا عن أي محسوبيات أو واسطات.

والمحكمة الالكترونية رغم أنها غير بشرية إلا أنها أخلاقية إلى حد كبير، حيث تتوافر فيها مجموعة قيم قد نفتقدها في بعض الكوادر البشرية بين الحين والآخر، فهي عملية جدا، ومحايدة جداً، ولا تتعاطف مع هذا أو ذاك، أو تجامل هذا على حساب ذاك، كما تتوافر فيها الشفافية بحيث لا تقدم مصلحة مواطن على حساب آخر، أو تتلقى رشوة لتمرير معاملة مواطن وتعطيل معاملة آخر، أو تنتهك قوانين الدولة وتؤثر على الصالح العام، وبهذا فهي نزيهة وصادقة وأمينة ومخلصة ومتجردة من الأغراض.

حيث ان خدمات وزارة العدل ونظامها الالكتروني، ينجز المعاملة في دقائق معدودة بواسطة الحاسب الآلي، والكوادر البشرية المميزة حيث يساهم ذلك في تحقيق مفهوم المساعدة القانونية من حيث:

  • الاسهام في سد العجز في القضاة.
  • تعزيز القيم العدلية في معاملات المواطنين.
  • تجنب فترات الانتظار الطويلة للفصل في قضاياهم.
  • اختصار الوقت والجهد والكلفة على المحامين والمتقاضين.

وتسعى كل دول العالم للتعامل فى مجال التطبيقات الالكترونية عبر تطويع كافة الوسائط والتقنيات المتوفرة لخدمة مرفق العدالة، ذلك أنّ حجم التقنيات التي ستطوع لخدمة مرفق العدالة كبيراً لدرجة ان المحاكم بدأت الى حد كبير تنافس دوائر تعتبر التقنيات الحديثة جزءا لا يتجزأ من عملها، فالمطلوب استخدام التقنيات بتنوع الخدمات الالكترونية التي حظيت بإطار فعال وسلس لمتابعة وتطوير عملية التحويل الالكتروني.

وحتى نحقق ما سبق لابد من :

  • استخدام وتطويع تكنولوجيا المعلومات بأكبر نسبة من مجمل إجراءات العمل في المحاكم في جهازيها القضائي والاداري والمالي.
  • مواكبة مستجدات تكنولوجيا العصر، لتكون نموذجاً يحتذى به في الخدمات القضائية والقانونية والبحثية الالكترونية.
  • تحسين تقديم الخدمات والتقنيات عن طريق استحداث خدمات جديدة والارتقاء بالبرامج والأنظمة المقدمة لكافة فئات المتعاملين معها.
  • تحديث موقع المحاكم على الانترنت وتطويره.
  • العمل على التوعية بثقافة وفكر الشفافية والجودة والعمل بنظام الاقتراحات والشكاوي الالكتروني.
  • الاهتمام بتنمية الموارد البشرية واكسابها المهارات المختلفة في اطار الاستغلال الأمثل للأتمتة وتقنية المعلومات.
  • تقديم خدمة البث الالكتروني العاجل من قبل المحاكم الالكترونية لكل جديد من أخبار المحاكم وتشريعاتها وقراراتها.

أما عن فوائد العدالة الالكترونية فتتمثل بما يلي:

  1. توفير مجموعة من الخدمات الالكترونية للقضاة وأهمها قاعدة ادارة المعرفة القضائية القوانين والمبادئ القانونية والاحكام والتي تعتبر أداة قيمة للقضاة لتسهيل عملهم وسرعة الوصول الى المعرفة المطلوبة لاتخاذ القرارات والاحكام المناسبة.
  2. توفير مجموعة من الخدمات لإدارة قضاياهم وجلساتهم وأحكامهم وأدوات لقياس أدائهم
  3. تقديم المحاكم للمحامين عدداً من الخدمات الالكترونية تساعدهم في متابعة القضايا الخاصة بمكاتبهم حيث بالإمكان الاطلاع على جدول جلسات قضاياهم، بالإضافة الى متابعة طلباتهم والتنفيذات التي تمت عليها، مما يسهل عليهم اجراءاتهم ويوفر الوقت والجهد في عملهم عوضا عن مراجعة المحاكم.
  4. تقديم خدمات الكترونية عديدة عن معلومات جميع القضايا التي كلف بها الخبراء لأداء رأي الخبرة بحيث توفر لهم هذه الخدمات سهولة في متابعة أعمالهم والاستفسار عنها ومعرفة متطلباتها.
  5. توفير مجموعة من الخدمات الخاصة بالشركات والبنوك والمؤسسات بحيث تتيح متابعة القضايا والجلسات والطلبات المقدمة بها والقرارات التي صدرت بها وتنفيذ هذه القرارات ومتابعة المحامين الموكلين بالقضايا ذات الصلة.
  6. زيادة العمليات الالكترونية في انهاء الاجراءات، فهنالك العديد من الدول قامت بتعديل تشريعاتها لتعتمد التوقيع الالكتروني الملزم قانونا، بحيث تكون اجراءات رفع الدعوى واعلانها بواسطة نظام معتمد بين الجهاز القضائي، ووكلاء الخصوم وهم المحامون.
  7. إن تقديم المستندات الالكترونية وتبادلها بين مكاتب المحاماة وكذلك نسخة للمحكمة، بحيث تعتمد الكترونيا اجراءات تبادل الاطلاع وادخال البيانات والتوقيع عليها الكترونيا، وهذا بحسب اللزوم سوف يقلل من اجراءات التبادل المادي للمعلومات عبر آلاف الأوراق التي تتطلب التصوير، والترجمة، وتبادل الاطلاع من أطراف الدعوى، وهذا الأمر أيضا سوف يقلل من اجراءات الاعلان المادي عبر ادارة قلم الكتاب، ومندوبي الاعلان، والبحث عن العناوين في المدن والمحافظات، وما يطرأ على ذلك من تبديل وتغيير مستمرين، وصعوبات تؤثر بشكل مباشر على سير الإجراءات.

مثلا في القضايا الجزائية ليس بالضرورة احضار المتهم، ومن الممكن عرضه عبر شاشة موجودة في الحبس ويمكن سؤاله عن التهمة ومحاكمته أثناء وجوده في ادارة السجن، بحيث يتم العرض بواسطة رجال الشرطة، وبالتالي يتم اختزال واختصار العديد من الإجراءات.

وفى القضايا الاخرى ولتيسير اجراءات التقاضي ،فان التحرك العاجل نحو استخدام البريد المسجل والمعتمد كوسيلة لإعلان الأوراق القضائية خارج الدولة، بواسطة شركة واحدة معتمدة، اذ أن هذه الخطوة توفر في بعض الحالات سنوات، لإعلان ورقة اعلان صحيفة الدعوى بين دول العالم.

وبناء على ذلك اتخذت وزارة العدل في الفترة الأخيرة العديد من الخطوات في توظيف العدالة الالكترونية كنوع من أنواع المساعدة القانونية للمتقاضين بما يخفف الكلف والوقت والجهد ونذكر من تلك الجهود الأسوارة الالكترونية والحصول على شهادة عدم المحكومية الكترونيا وتفعيل نظام الآيبان فيما يتعلق بالتحويلات المالية بالإضافة الى استعلام الدعاوي واستعلام الطلبات : تتيح هذه الخدمة للجمهور الاستعلام عن القضايا والطلبات الخاصة بهم من خلال الرقم والاختصاص المكاني والقضائي ، ويتمكن الجمهور من معرفة تفاصيل القضايا والدعاوي الخاصة

  • استعلام معاملات كاتب العدل : يتمكن الجمهور والمؤسسات الحكومية من خلال ادخال رقم الوثيقة ، ونوعها وتاريخها الاستعلام عن بيانات هذه الوثيقة
  • استعلامات شهادة عدم المحكومية ، للتأكد من صحة الشهادة

اضافة الى المزايا المقدمة للجمهور، يتمكن المحامي من الاستعلام عن القضايا والطلبات من خلال الاسم والرقم الوطني اذا كان وكيلا في هذه القضايا من خلال اسم مستخدم وكلمة مرور تصرف لهم عند التسجيل من خلال الموقع مع مراعاة ما يلي . كما يتمكن المحامي من مشاهدة مرفقات الدعوى المؤرشفة ومنها محاضر الجلسات. وآخر ما تم من اجراءات على القضية التنفيذية.

وبالمحصلة فان اعتماد العدالة الالكترونية يساهم وبلا ادني شك في تحقيق مفهوم العدالة الناجزة والفعالة المنصوص عليها في العديد من اتفاقيات حقوق الانسان ويكرس من الناحية العملية مفهوم المساعدة القانونية وعليه نجد اننا بحاجة ماسة لمراجعة التشريعات والإجراءات لتفعيل مفهوم العدالة الالكترونية مستقبلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *