أخبار
الرئيسية / المجلة / إرهاب الكورونا …”الجريمة الإرهابية في زمن الكورونا” – الرئيسة مريم رزقي

إرهاب الكورونا …”الجريمة الإرهابية في زمن الكورونا” – الرئيسة مريم رزقي

الرئيسة مريم رزقي، قاضٍ بالمحكمة الابتدائية- تونس

بينما تسعى الدول للسيطرة على جائحة عالمية عصفت بالأمن والاستقرار العالمي على جميع الأصعدة لتحصد آلاف الأرواح ولتغير الخارطة الجغراسياسية وتعبث باقتصاد بعض الدول بصورة غير مسبوقة، وتشرع لظهور ترسانة من القوانين في محاولة للإحاطة بالوضع المستجد، تحاول تنظيمات العنف استغلال حالة الرعب من انتشار الفيروس، ببث خطاب الكراهية، مناورة  بأكذوبة أن «الفيروس هو عقاب من الله، على حد زعمها». لتستغل كل ما هو متاح لتحقيق أهدافها الدموية في توظيف للأوبئة والكوارث كسبا لرهان تنظيماتها بتصدر المشهد الجهادي في محاولة لاستقطاب عناصر إرهابية جديدة وإعادة اكتساب حاضنة شعبية في مناطق الصراع وبؤر التوتر التي اندثرت فيها هذه التنظيمات بهزائم كبرى.

فمنذ بداية انتشار فيروس كوفيد 19 سعت الجماعات التي تشربت ثقافة التطرف لنشر خطابات تؤكد نهجها العنيف في الفترة المقبلة لتستغل الوضع الوبائي في إعادة تنظيم مساراتها ورسم خطوطها العامة المبلورة لفكر التحريض التكفير ,الانتقام والعنف

ومع تفشي الوباء برزت خطابات تنسب للجماعات الجهادية داعية للانتشار في الغرب ونشر كوفيد  19، ووفقا لتقرير لمجموعة الأزمات الدولية مؤخرا، فإن جريدة تابعة لـتنظيم إرهابي أشادت في مقالها الافتتاحي بتأثير الفيروس على الكثير من الدول التي وصفها المقال بالأعداء، وأن الدول تخشى من إمكانية أن يصعد عناصر هذه الجماعات الإرهابية عملياتهم العسكرية ضد ما تعتبره دولا عدوة، خصوصاً وأن هذه الدول لا تبدو على استعداد لتحمل أي عبء جديد بتوظيفها كل الجهود والامكانيات للحد من الوباء والخروج من هذه الازمة بأخف الاضرار.

فماهو المعيار القانوني الذي يمكن اعتماده لاعتبار الجريمة إرهابية في هذا الظرف الوبائي ؟

منذ الثالث عشر من الشهر المنصرم تاريخ صدور الامر الحكومي الذي يدرج  فيروس كوفيد 19 بالملحق المرفق بالقانون المذكور أضحى القانون عدد 71 لسنة 1992 المؤرخ في السابع والعشرين من شهر جويلية 1992 هو القانون المنطبق في التعامل مع الجرائم الواقعة بمناسبة الظرف الوبائي من مخالفة إجراءات الحجر الصحي الوجوبي او تعمد نقل العدوى ونشر الامراض السارية والأوبئة غير انه وفي سياق الحديث عن الجرائم الإرهابية المقترنة بهذا الوباء فان القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 اوت 2015 هو القانون المنطبق باعتباره القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال الا ان المسألة المطروحة في هذه الدراسة لا تتعلق بتنازع القوانين او بالقانون المنطبق نظرا لخصوصية كل قانون وضوابطه ومجال انطباقه بل تتعلق بالمعيار المختار الذي يحيلنا على الصبغة الإرهابية للجريمة والتي تحيلنا بدورها الى تطبيق القانون المذكور . فان كانت الجرائم المذكورة بالقانون عدد 71 تشترك ككل الجرائم مع الجرائم الإرهابية في ضرورة توفر القصد الجنائي العام كمبنى للمؤاخذة الجزائية بما يفترضه من إرادة متوجهة لتحقيق السلوك الاجرامي ونتيجته والمساس بحق او مصلحة يحميها القانون الى جانب العلم الذي يفترض الإحاطة الكاملة بمختلف عناصر الجريمة الا ان معيار التفرقة الذي يميز الجرائم الإرهابية المتعلقة بفيروس كورونا عن باقي الجرائم المتعلقة بهذا الوباء يكمن أساسا في القصد الجنائي الخاص باعتباره الدافع والباعث أي الحافز المحرك للإرادة الاجرامية او بالأحرى الخلفية الفكرية الأيديولوجية الدافعة لارتكاب الجريمة باعتبارها غاية الفاعل من فعله اذ نص بالفصل 13 من القانون عدد 26 لسنة 2015 انه يعد مرتكبا لجريمة إرهابية  كل من يتعمد باي وسيلة كانت تنفيذا لمشروع فردي او جماعي ارتكاب فعل من الأفعال موضوع الفصول من 14 الى 36 ويكون ذلك الفعل هادف بحكم طبيعته اوفي سياقه الى يث الرعب بين السكان او حمل دولة او منظمة دولية الى فعل او ترك امر من علائقها .

ان الصبغة الإرهابية تتجسد جليا من خلال تحويل الفكر العنيف والدموي الى أفعال واقعية انتصارا للتطرف والفوضى في اطار نشر ثقافة هاته المجموعات المتمثلة في الفوضى العنيفة

فلا يمكن الحديث عن جريمة إرهابية ان لم تكن تجسيدا واقعيا للفكر الإرهابي و لا يمكن ان نعتبر على سبيل المثال تعمد احدهم نقل العدوى بالوباء لغيره بمجرد مخالفته للتدابير الوقائية الوجوبية الى جانب علمه باصابته من قبيل الجرائم الإرهابية ان لم يكن ما اقدم عليه اسقاطا لفكره الدموي على ارض الواقع واستغلالا للحالة الوبائية السائدة للانتصار لمشروعه الإرهابي خاصة ان الوضع الوبائي الحالي مهد الى تطبيق الاستراتيجية الإرهابية القائمة على التكاليف المنخفضة او ما يعرف بالإرهاب الرخيص في ظل ما تمر به هاته الجماعات الإرهابية في بؤر التوتر من انهاك ونضوب  في الموارد والتمويل بعد هزائمها ..اذ ان المنهج المتخذ في إدارة التوحش اصبح يرتكز أساسا على عمليات منفردة قليلة التكلفة لا تحتاج الى عتاد عسكري او مخططات مكلفة بل يكفي الاعتماد على مايعرف بالذئاب المنفردة للقيام بنشر العدوى على سبيل المثال لاضعاف هياكل ومؤسسات الدولة واستهدافها بالوباء من خلال الانتقال الى مراكز الامن واستهداف الاعوان او الى مقرات السيادة وقد شهدنا منذ أيام قليلة  حادثة مماثلة

فالفكر الإرهابي لا يتوانى عن استغلال ما يعتبره ” عقابا الاهيا” في محاولة لإعادة جمع اشلائه في كامل الوطن العربي وفي العالم بأسره مما قد يجعلنا نتاهب لمواجهة إرهاب جديد يعرف “بارهاب  الكورونا ”  ولعل المتأمل في هذه الأسطر البسيطة قد يخيل اليه ان ما خط بعيد كل البعد عن الواقع الا ان ما يحدث يؤكد جديتها اذ تمكنت الوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الإرهاب بإدارة مكافحة الارهاب للحرس الوطني من إفشال مخطط إرهابي لأحد العناصر التكفيرية اصيلة ولاية قبلي بعد تورطه في قضية عدلية ذات صبغة إرهابية.

وقد اكدت الأبحاث الجزائية أن هذا العنصر الإرهابي استغل سلطته المعنوية على باقي العناصر التكفيرية بالجهة خاصة أولئك الحاملين لأعراض فيروس الكورونا و الخاضعين للمراقبة الإدارية قصد تحريضهم على تعمد العطس و الكحة و نشر البصاق في كل مكان خلال تواجدهم داخل الوحدة الأمنية بمناسبة إجراءات المراقبة الإدارية وذلك بهدف إصابة الأمنيين بالعدوى مما يؤكد ان إرهاب الكورونا مسألة جدية وفكر جديد في إدارة التوحش .

وبالحديث عن الجريمة الإرهابية في زمن الكورونا وبالعودة الى قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال سنتطرق الى بعض الأفعال المجرمة في هذا السياق التي يتطابق تكييفها القانوني مع بعض الجرائم الإرهابية  وجرائم الاعتداءات على امن الدولة في اطار استعراض بعض الأمثلة :

الجريمة الأولى : تعمد نقل العدوى بفيروس كوفيد 19 في سياق جريمة إرهابية

تكييف الفعل المجرم المتمثل في نقل العدوى في سياق إرهابي وذلك باستهداف العناصر الأمنية او الجيش ….يقتضي في تكييفه الرجوع الى نتيجة هذا الفعل المتمثلة فيما نص عليه الفصل 14 ثالثا من القانون عدد 26 وهي “احداث جروح او ضرب او غير ذلك من أنواع العنف ولم تكن داخلة فيما هو مقرر بالصورة الثانية …”

فالعنف بما معناه النيل من السلامة الجسدية يشير بالضرورة الى تعمد نقل العدوى في اطار المس منها وامراض المجني عليه هذا ان لم يكن الفيروس قاتلا لننتقل الى الفقرة الأولى من ذات الفصل فنتحدث عن “قتل شخص ” ان تسببت العدوى في انهاك جسده ومناعته وبالتالي موته .

الجريمة الثانية : استغلال الوضع الوبائي لإذاعة أخبار زائفة في اطار ضرب الأمن العام والاعتداء على امن الدولة الداخلي

ان العمل على نشر الاخبار الزائفة وبث الشائعات خدمة لبعض المخططات الإرهابية واضعافا  لأمن الدولة في اطار خلق حالة من الرعب والفزع تؤدي الى الفوضى مما يتنافى مع النظام العام يعتبر مؤامرة للاعتداء على امن الدولة الداخلي حسب منطوق الفصل 68 من المجلة الجزائية فمنذ بدايات تفشي الوباء انتشرت الشائعات على وساءل التواصل الاجتماعي حول عدد الإصابات وحول المناطق الموبوء في اشغال للراي العام مما يساعد الجماعات الإرهابية على التحرك واستغلال الاخبار المزيفة لارباك الامن تمهيدا لتنفيذ مخططاتها الإرهابية .

في ذات السياق يعتبر عملا إرهابيا حسب منطوق الفصل 21 من قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال كل من اذاع عن سوء قصد خبرا مزيفا معرضا بذلك سلامة الطائرات والسفن المدنية الى خطر اثناء الملاحة . اذ يكفي ان يدعي احدهم اصابته ليسيطر الرعب وتقوم جريمة الفصل المشار اليه فمجرد التهديد بنقل العدوى كفيل بتعريض سلامة الطائرة للخطر وفق ماجاء بتقرير  اللجنة الفرعية الخاصة المعنية بإعداد ميثاق واحد أو أكثر من المواثيق التي تعالج التهديدات الجديدة والناشئة الصادر عن منظمة الطيران المدني والدولي

في خاتمة هذا المقال تجدر الإشارة الى ان الوضع الوبائي ولئن كان يتطلب تكاتف المجهودات الدولية للقضاء على هذا الفيروس المستجد فانه في الان ذاته يتطلب تعاضد المجهودات الدولية لدرء خطر إرهاب الكورونا الذي يعتبر الوباء أرضية لنشر فكره المتطرف تطبيقا لما جاء بالاستراتيجية الدولية و الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب .

 

 

 

 

 

تعليق واحد

  1. Avatar
    د حمزة عبد الوهاب

    مقال رائع فعلا يستحق التأمل.
    ماشد انتباهي كون مصطلح إرهاب الكورونا كمصطلح جديد يستدعي النص عليه صراحة في القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب والا كنا أمام تحميل النص مالا يحتمل وهذا يتعارض مع مبادىء القانون الجنائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *