أخبار
الرئيسية / إضاءات على المشهد القضائي / إضاءات على مفهوم استقلال القاضي/ بقلم رئيس الاتحاد العربي للقضاة – القاضي د. أحمد الأشقر

إضاءات على مفهوم استقلال القاضي/ بقلم رئيس الاتحاد العربي للقضاة – القاضي د. أحمد الأشقر

 

القاضي د. أحمد الأشقر  – فلسطين، رئيس الاتحاد العربي للقضاة

 

لا يكون القاضي مستقلّاً إن لم يكن عزيزَ الروح، مترفّعاَ عن الهوى، ولا يستقلّ إن لم يتخلَ عن نزعةِ الجاه والغرور، ولوثةِ التعالي والكِبْر، لأنه إن صار كذلك، بات عبداً لذاته، عاشقا لها حدّ المس بطهارة رسالته، وصفاء سماته، وتجرده عن ميوله، ونزعات ذاته.

ولا يستقلّ قاضٍ لا يلزمه ضميره بالانحياز إلى الحق، والتعصب له، والدفاع عنه والعمل الدؤوب لأجله، فتنتصر روحه للحياد، وترتفع قامته لتطاول عنان السماء.

ولا يستقل قاضٍ يعتريه الحياء في مواجهة التدخل في عمله مهما صغر شأن هذا التدخل من قبل أي كائن على وجه البسيطة، لاسيما من قبل أصحاب السلطة وأعزائه وزملائه ومسؤوليه وذويه الأقربين، ذلك أنّ حياء القاضي مقتل حياده، حينما يتجرأ الآخرون على استقلاله في حكمه وإجراءاته، مهما كان عظم المسببات، ووجاهة الأسباب.

ولا يكون القاضي مستقلّاً إن لم تستقل سلطته في القضاء، فلا يخشى بطش أصحاب النفوذ من عزله أو عقابه لقضاء عادل أرساه ولم يعجب أولي الأمر، ولا يستقل وهو يجلس منتظرا معاشه من يد سلطة لا تتفهم حاجاته، ولا تخجل من عدم الإيفاء بحقوقه المشروعة، فينتكس عطائه، وتصيبه لعنه الشعور بالظلم، ذلك أنه من يرّد الحقوق لأصحابها وحقه مهدور، وهو من يرفع الظلم عن العباد، ولا يملك حينها رفع الظلم عن نفسه، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

ولا يستقل قاضٍ ضاقت نفسه عن الشعور بالكرامة، فأهانها بالجري وراء الولائم والعزائم والموائد، وقبل دونها أن يكون على عداد المدعوين إلى المناسبات التي تستهدف النيل من كرامته، ويستوي ذلك مع الذي اعتاد زيارة أصحاب النفوذ من ذوي السلطة والمكانة، لأنّ في ذلك ما يجلب سوء الظنّ، ويمس هيبة القاضي مناط استقلاله.

ولا يستقلّ قاضٍ  دون أن ينأى  بنفسه وعائلته الدانية عن الجري وراء حاجة يتعين على إثرها النزول عن العدل في قضائه، إشباعا لرغبة دنيوية عارضة، أو نزعة استرضائية فانية، ودون أن يكون مستقلا بذاته عن رضاء مسؤوليه وأقرانه، مترفعّاّ عن الجري وراء ترقية، أو مدح، أو حظوة لدى السلطان وأعوانه، ولا يكون مستقلّاً إن لم تصغر الدنيا في عينه، فتكون متع الحياة كأنما إغماضة طرف على محياه، لا يلحظها أحد.

 

ولا يستقل القاضي إنّ استدان وإن كان من غير الخصوم، لأنّ الحاجة ثغرة في الروح ينفذ منها الطامعون إلى حصن القاضي المنيع، فيصير غارقا في سدّ الذرائع على حساب كرامته، وعدالة أحكامه، ونزاهة مقاصده، وكذلك لا يستقل قاض يقف على باب الناس يستجدي منفعة وإن كانت حقا له، فيصير رهينا لهم، يقتصون منه تارةً، ويجاملونه تارةً أخرى، أملا في منفعة منه، وانحياز على حساب حقوق العباد.

ولا يكون القاضي مستقلّاً إن لم يخلُ ذهنه من خوف على قوت عياله، أو رهبة من تعسف من يملك السطوة على رزقه، فيكون جالسا للقضاء على غير ما ينبغي له أن يكون، متوجّساً خيفة تحجب عنه قول الحق، فيصر ملكا للحاكم يأمره وينهاه، ويسوقه إلى مبتغاه، وعندها يصبح القاضي موظفا مرؤوساً، لا يملك من أمره غير الطاعة لذوي النفوذ والسلطة.

ولا يستقل قاض وقد اعتاد على مخالطة الساسة، فيُلزم على محاباتهم على حساب حقوق العباد، ويستشعر حرجا في مخالفة قولهم وآرائهم، فيختلط الأمر عليه، ويفقد بوصلته في مهب الأهواء والمتغيرات.

وكما لا يكون القاضي قاضياً مستقلّاً إن لم ينزع عن ثوب السياسة، فإنه لن يكون كذلك إذا ما تراخى في عزل نفسه عن مخالطة الخصوم، لأنّ حياد القاضي نابع من حدته في درأ مظنة التأثر والشبهات، ولا أكثر من مخالطة الخصوم في غير مجلس القضاء سببا في جلب الشبهة للقاضي، وإن كان الأمر على غير الحقيقة.

ولا يكون القاضي مستقلاًّ إن تمّلكه الشعور بالغضب والكراهية فأفقده حياده في الحكم أو الإجراء، فالكراهية والغضب حاجبان يجعلان من القاضي عدوا شرسا لقيم العدالة ويصيبان رسالته القضائية السامية في مقتل لا تقوم لها قائمة بعد ذلك.

ولا يستقلّ قاضٍ لا هيبة له، فيتجرأ عليه العامة، ويقدحه من في نفسه أمر بفظاظة من القول، فلا يواجهنّ هذا إلا بعبارات الترضية درأ لشكوى قد تصيبه، أو رفعا لإزعاج يغني مسؤوليه عن حماية هيبته وكرامته، وحينها يفقد القاضي استقلاله في الحكم، فيصير ممتنعاً عن القضاء إلا وفق هوى من يملك اللسان اللاذع، والقول المسموع، فينطوي القاضي على نفسه راجيا رضاء الناس لا رضاء الحق جلّ في علاه.

وأساس استقلال القاضي في كل الظروف انحيازه لله العادل الذي لا يغيب عدله، ولا يختلّ ميزانه، فيكون بذلك جندياً من جنود الرحمن على الأرض، يقيم العدل بما استطاع، لا يرهبه بطش ظالم، ولا تغرّنه حيلة ماكر، ولا تغريه سطوة  الحكم، ولا يستهويه حب التملك.

تعليق واحد

  1. Avatar

    القاضي خليفة الله في الارض ربما سدد خطاكم لما فيه صلاح وعدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *