أخبار
الرئيسية / المجلة / اجتهادات قضائية / تعليق على حكم محكمة استئناف رام الله في الإستئناف رقم 1076/2018/ القاضي فاتح حمارشة

تعليق على حكم محكمة استئناف رام الله في الإستئناف رقم 1076/2018/ القاضي فاتح حمارشة

تعليق على حكم محكمة استئناف رام الله في الإستئناف رقم 1076/2018 تاريخ 30/9/2018
القاضي فاتح حمارشة، أمين سر جمعية نادي القضاة الفلسطينيين
تفيد وقائع ومجريات الدعوى أن البنك أقام دعاوى تنفيذية في مواجهة العميل للمطالبة بقيمة الشيكات التي أودعها العميل في الحساب،  إذ طرح البنك الشيكات للتنفيذ وتم البدء بتحصيل قيمة هذه الشيكات من خلال القضايا التنفيذية رقم 3701/2018 و 3703/2018 و 3696/2018 تنفيذ جنين، وعلى ضوء ذلك تقدم العميل بالطلب المستعجل رقم 178/2018 لدى محكمة بداية جنين من أجل وقف القضايا التنفيذية المذكورة، فقررت المحكمة أجابة طلب العميل ووقف القضايا التنفيذية المذكورة لحين البت في الدعوى المتفرع عنها الطلب المستعجل وهي الدعوى رقم 171/2018 حقوق بداية جنين.
لم يرتض البنك بالقرار الصادر عن محكمة بداية جنين في الطلب المذكور، فاستأنفه لدى محكمة استئناف رام الله في الإستئناف محل التعليق رقم  1076/2018  فقررت محكمة الإستئناف بالنتيجة رد الإستئناف موضوعا والتصديق على القرار المستأنف وعللت حكمها بأن (ايداع الشيكات في الحساب لا يعتبر تجييرا بالمعنى المقصود بالتجيير و لا تنطبق عليه بالتالي اصل القاعدة من جهة القول بان الاصل في التجيير هو ان يكون ناقلا للمكية بسبب خصوصية العلاقة بين البنك و صاحب الحساب و لان الحساب يعتبر ملكا لصاحبه و ليس للبنك و بالتالي فان ما يودعه الصاحب الحساب لا يعدو عن كونه وديعة يكون البنك ملزما بردها عينا وفقا للاحكام الخاصة  بالوديعة فان كانت نقودا فيرد مثلها و ان كان ورقة تجارية فيرد قيمتها ان تم تحصيلها او يردها عينا ان اعيدت دون صرف. ولذلك فانه ووفقا للمادة 148 من قانون التجارة فان التظهير التوكيلي يجب ان يكون التوكيل صريحا فان لم يكن كذلك اعتبر الايداع وديعة ينطبق عليها ما ذكر و ليس تجييرا ناقلا للملكية.)
إن خلاصة ما توصلت له محكمة الإستئناف في حكمها في السابق هو أن تظهير الشيكات عند ايداعها في الحساب لا تنطبق عليه أحكام التظهير المنصوص عليها في قانون التجارة من أن الأصل بالتظهير أن يكون تمليكيا، وإن كان  التظهير توكيليا فإنه لا يكون كذلك إلا إذا كان صريحا،  وإن الأصل بالشيكات المودعة في حساب العميل لدى البنك أنها وديعة يلتزم البنك برد قيمتها إن تم تحصيلها أو بردها عينا أن لم يتم تحصيل قيمتها.
إن التعليق على هذا الحكم يقتضي بداية التعرف على مفهوم كل من التظهير التمليكي (التظهير الناقل للملكية) والتظهير والتوكيلي ثم  التعرف على الآثار المترتبة على التظهير التوكيلي للورقة التجارية المودعة في الحساب لدى البنك، وكذلك الآثار المترتبة على اعتبار التظهير تمليكيا للورقة التجارية المودعة في الحساب لدى البنك ، ومدى انسجام الحكم محل التعليق مع هذه الآثار، وذلك وفقا لما يلي:
أولا: التظهير التمليكي والتظهير التوكيلي
وفقا للمادة 144 بدلالة المادة 241 من قانون التجارة  فإن التظهير الناقل للملكية (التمليكي) ينقل جميع الحقوق الناشئة عن الشيك إلى المظهر له،  إذ ينقل التظهير القمية الصرفية للورقة التجارية للمظهر له، بحيث يصبح المظهر له مالكا لقيمة السند، ويكون للمظهر في هذه الحالة، كأصل عام، الحق بالرجوع على الساحب والمظهر أو المظهرين للمطالبة بقيمة الورقة التجارية.
أما التظهير التوكيلي فهو تصرف قانوني يهدف من خلاله المظهر إلى أن ينوب عنه المظهر له في تحصيل قيمة الورقة التجارية، بحيث تتجه نية المظهر إلى اعتبار المظهر له وكيلا عنه في تحصيل قيمة الورقة التجارية، ووفقا لما أنبأت به المادة 148 من قانون التجارة فإنه يشترط في التظهير التوكيلي أن يكون صريحا، ويكون كذلك عندما يشتمل التظهير على عبارة تدل على أنه تظهير توكيلي كعبارة (القيمة للتحصيل) أو (القيمة للقبض) أو (للتوكيل) أو أي عبارة آخرى يستدل منها على التوكيل، فإن لم يكن التظهير التوكيلي صريحا أعتبر أنه تظهير ناقل للملكية، لأن الأصل بالتظهير أن يكون ناقلا للمكلية.
وينطبق على التظهير التوكيلي أحكام الوكالة، بحيث يلتزم المظهر له باعتباره وكيلا عن المظهر بتعليمات المظهر، ويكون للأخير أن يعزل المظهر له، ويلتزم المظهر له باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحصيل قيمة الورقة التجارية، وغير ذلك من الأحكام والآثار التي يرتبها عقد الوكالةباستثاء عدم انتهاء الوكالة في حالة وفاة الموكل أو حدوث ما يخل بأهليته وفقا لما نصت عليه المادة 148/3 من قانون التجارة لسنة 1966.
ثانيا: أثر التظهير التوكيلي للورقة التجارية المودعة في الحساب لدى البنك
إذا ظُهرت الورقة التجارية تظهيرا توكيليا فإن ما ينطبق على العلاقة في هذه الحالة هو أحكام الوديعة والوكالة، إذ تنطبق عليها أحكام الوديعة بالنظر إلى الطبيعة الإيداعية لهذه العلاقة التي تفترض أن يسلم العميلُ البنك الورقة التجارية لغايات تحصيلها، وكذلك تنطبق عليها أحكام الوكالة بالنظر إلى الطبيعة التفويضية التي تتضمن قيام البنك بإلإجراءات اللازمة لتحصيل قيمة الورقة التجارية نيابة عن العميل.
ومن الآثار التي يرتبها عقد الوديعة هو التزام البنك بالمحافظة على الورقة التجارية حتى تاريخ استحقاقها بسبب انتقال حيازتها اليه، وكذلك اعادتها للعميل حال طلب استردادها من البنك. أما الآثار التي يرتبها عقد الوكالة فهي التزام البنك بتحصيل قيمة الورقة التجارية من خلال اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحصيل قيمتها، كعرض الشيك على البنك عند حلول موعد استحقاقه.
ومن أهم الآثار المترتبة على اعتبار التظهير التوكيلي عقد وديعة وعقد وكالة هو أن دور البنك ينحصر فقط في المحافظة على الورقة التجارية وتحصيل قيمتها، كما ذكر أعلاه، ولا يكون للبنك الحق بالرجوع على المظهر باعتباره ضامنا للوفاء بقيمة الورقة التجارية، إذ لا يكون للبنك في مثل هذه الحالة اقامة الدعوى الصرفية للمطالبة بقيمة الورقة التجارية في مواجهة العميل المظهر، لأن حق المظهر له باقامة الدعوى الصرفية في مواجهة المظهر تكون عندما يكون التظهير ناقلا للملكية وليس عندما يكون تظهيرا توكيلا.
وفي الحالة التي يكون فيها التظهير توكيليا فإما أن يعمل البنك على تحصيل قيمة الورقة التجارية أو أن لا يتم تحصيلها، ففي الحالة الأولى يكون للبنك الحق في أن يودع قيمة الورقة التجارية بعد تحصيله في الجانب الدائن من الحساب الجاري للعميل باعتباره وكيلا عن عميله، أما في الحالة الثانية فإن البنك يكون ملزما بإعادة الورقة التجارية لعميله ليقوم الأخير بالرجوع على الساحب والمظهرين وأقامة الدعوى الصرفية لتحصيل قيمة الورقة التجارية، أو يعمل البنك باعبتاره وكيلا عن عميله  باقامة الدعوى الصرفية على الساحب والمظهرين لتحصيل قيمة الورقة التجارية.
ثالثا: أثر التظهير التمليكي للورقة التجارية المودعة في الحساب الجاري
وفقا لما تم ذكره سابقا فإن الأصل بالتظهير أن يكون ناقلا للملكية، وإن عدم تضمين التظهير أية عبارة يستفاد منها أن التظهير توكيليا يعني أن التظهير أصبح ناقلا للملكية، بحيث يصبح المظهر له مالكا للقيمة الصرفية للورقة التجارية، ويكون المظهر، كأصل عام، ضامنا للوفاء بقيمة الورقة التجارية.
إن من أهم المباديء التي يقوم عليها الحساب الجاري هم مبدأ العمومية  الذي يقضي بأن تكون جميع التعاملات والديون التي تتم بين الطرفين جزءا من الحساب الجاري، وإن من مقتضيات هذا المبدأ هو أن تكون الديون المتبادلة بين الطرفين قد تمت على سبيل التمليك، فإذا تم تظهير ورقة تجارية من العميل للبنك تظهيرا ناقلا للملكية فإن ملكية هذه الورقة تنتقل للبنك بمجرد تظهيرها، فإن تم تحصيل قيمة الورقة التجارية فإنها تدخل في الحساب، أما إذا لم يتم تحصيل قيمة الورقة التجارية فإنه يكون للبنك خياران: أما أجراء قيد عكسي واعادة الورقة التجارية إلى العميل أو اقامة الدعوى الصرفية في مواجهة العميل أو الساحب أو غيره من المظهرين، على اعتبار أن العميل ضامن للوفاء بقيمة الورقة التجارية، وإن حق البنك باجراء القيد العكسي على الورقة التجارية يعتبر أحد الإستثناءات على قاعدة التجديد في الحساب الجاري التي تعني زوال صفة الدين وتحويله إلى مفرد حسابي من مفردات الحساب الجاري.
وقد تناولت المادة 109 من قانون التجارة لسنة 1966 حالات الدفع التي تتم بموجب سند تجاري، حيث اعتبرت أن  الأصل هو ألا يعتبر الدفع قد حصل إلا إذا قبضت قيمة الورقة التجارية ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك، ويكون لمستلم الورقة التجارية إذا لم يتم تحصيل قيمتها الإحتفاظ بها على سبيل التأمين، وما يبنى على ذلك أنه يتم ادخال الورقة التجارية كقيد مؤقت حتى يتم الوفاء بها، فإن لم يتم الوفاء بها كان للبنك اتخاذ الخيارات السابق ذكرها، فإن اتخذ خيار إجراء القيد العسكي وجب عليه اعادة الورقة للعميل، وإن اتخذ خيار اقامة الدعوى الصرفية يتم عندها تسجيل قيمة الورقة التجارية بالجانب الدائن للعميل، لأن للبنك خيار تحصيل قيمتها من خلال الدعوى الصرفية، وإن اقامة الدعوى الصرفية من قبل البنك دون تسجيل قيمة الورقة التجارية في الجانب الدائن للعميل يعني اثراء البنك دونما سبب.
باخضاع ما سبق إلى ما توصل إليه الحكم محل التعليق من أن (ايداع الشيكات في الحساب لا يعتبر تجييرا بالمعنى المقصود بالتجيير و لا تنطبق عليه بالتالي اصل القاعدة من جهة القول بان الاصل في التجيير هو ان يكون ناقلا للمكية بسبب خصوصية العلاقة بين البنك و صاحب الحساب و لان الحساب يعتبر ملكا لصاحبه و ليس للبنك و بالتالي فان ما يودعه الصاحب الحساب لا يعدو عن كونه وديعة يكون البنك ملزما بردها عينا وفقا للاحكام الخاصة  بالوديعة فان كانت نقودا فيرد مثلها و ان كان ورقة تجارية فيرد قيمتها ان تم تحصيلها او يردها عينا ان اعيدت دون صرف. ولذلك فانه ووفقا للمادة 148 من قانون التجارة فان التظهير التوكيلي يجب ان يكون التوكيل صريحا فان لم يكن كذلك اعتبر الايداع وديعة ينطبق عليها ما ذكر و ليس تجييرا ناقلا للملكية) نجد أن ما توصل إليه الحكم محل التعليق إنما ينسجم فقط مع الحالة التي يكون فيها التظهير للشيك أو الورقة التجارية تظهيرا توكيليا، إذ في مثل هذه الحالة فقط يكون البنك ملزم باعادة قيمة الورقة التجارية للعميل متى تم تحصيلها، أو اعادة الورقة التجارية ذاتها إلى العميل إذا لم يتم تحصيل قيمتها رغم أن تكييف المحكمة لهذه العلاقة باعتباره عقد وديعة واسقاط عقد الوكالة ليس في محله، لأن من مقتضيات التظهير التوكيلي التزام البنك بتحصيل قيمة الورقة التجارية وفقا للطبيعة التفويضية التي تتضمن ذلك، وبالتالي فقد جانبت المحكمة، مع الإحترام، الصواب في تكييف العلاقة من خلال اعتبارها عقد ودريعة بكل الأحوال دون النظر إلى طبيعة التظهير والآثار المترتبة على كل من التظهير التوكيلي والتظهير الناقل للملكية والفروق بالآثار المترتبة على كل منهما، بما يعني أن المحكمة تكون ملزمة بجميع الأحوال بالتحقق من طبيعة التظهير لتتمكن من التقرير بطلب وقف القضية التنفيذية، لأنه متى ثبت للمحكمة أن التظهير كان توكيليا فإن خيار اقامة الدعوى الصرفية لا يكون متاحا للبنك، ويكون طرح الشيك للتنفيذ وفقا للمادة 32 من قانون التنفيذ مؤسسا على خلاف القانون، طالما أن هذا الخيار لا يكون متاحا إلا متى ثبت للمحكمة أن التظهير كان ناقلا للملكية.
وعلى الرغم من أن التصرف المتاح للبنك في الحالتين أي في حالة كان التظهير توكيلي أو تمليكي هو تصرف واحد يتمثل في اعادة الورقة التجارية للعميل أو تحصيل قيمتها وتسجيلها في الجانب الدائن للعميل، وعلى الرغم من أن ما توصلت له المحكمة من حيث النتيجة ينسجم مع ذلك، إلا أن المحكمة، مع الإحترام، قد جانبت الصواب في التكييف والفروق والآثار المترتبة على كل شكل من شكلي التظهير سابق الذكر من جهة، وأسقطت خيار البنك في اقامة الدعوى الصرفية لتحصيل قيمة الورقة التجارية متى كان التظهير ناقلا للملكية من جانب آخر.
انتهى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *