أخبار
الرئيسية / المجلة / مقاربات حقوقية في مفهوم ووظيفة الدولة زمن الكورونا/ الرئيسة أميرة العمري

مقاربات حقوقية في مفهوم ووظيفة الدولة زمن الكورونا/ الرئيسة أميرة العمري

 

الرئيسة القاضي أميرة العمري، الأمينة العامة للاتحاد العربي للقضاة، رئيسة نقابة القضاة التونسيين

 

بعد القنابل والأسلحة والذخائر والحروب الدامية يشهد العالم اليوم حربا من نوع آخر أشدّ فتكا ربّما وأشد ضراوة وقسوة، إنها حرب بلا دماء تسيل فيها ، أسلحتها ودروعها من نوع آخر..

إنها حرب فيروسية نقاوم فيها عدوا غير تقليدي، عدوّاً لا مرئياً، اليوم تغيّرت الجيوش، .فصارت تحمل “دروعا” بيضاء وأسلحة قوامها العقل والعلم.

وفي خضم هذا الزمن الموبوء بالكورونا، تجسّد مفهوم الدولة كما ينبغي للمواطن، فقد بتنا نلمح الدولة في كلّيتها تنزل من برجها العاجي وتحارب لا لأجل سلطتها، بل لأجل بقائنا، أوَ ليست الدولة حسب (سبينوزا) ذلك الكيان الهادف إلى تحقيق المصالح العامة المتمثلة في حماية حقوق الأفراد ككائنات عاقلة ؟

لكن المثير في هذا التعريف الوظيفي للدولة الجنوح لاُستعمال عبارة ” كائنات عاقلة ” الذي نجده يلتقي مع تعريف هيجل للدولة الذي يعتبرها ” تمثيلا لإرادة وروح ووعي أمة من الأمم ” فهي حسب رأيه ” تجسيد للعقل المطلق”.

يستشف من هذه التعاريف أن الدولة هي العقل البشري متجسدا والذي تعتبر قراراته ” العقلانية” السلطة المخوّلة لتلك الدولة التي لها شرعية مؤسسية مستمدة من المرجعية القانونية ومشروعية تمثيل المواطنين لا الرعية …

والآن على هذا العقل والإرادة الشعبية أن تكفل ما تعهّدت به للمواطنين من تحقيق للسلام والأمن بأنواعه.

واليوم ساعة الاختبار، فنحن في حرب مفتوحة على وباء وهو ما جعل الدولة تتجند لحماية الأمن الصحي العام وحفظ الأمن الإنساني ، وعليه اتخذت جملة من القرارات تعلقت بالأساس بحرية التنقل وتمّ فرض الحجر الصحي العام، كما تم اتخاذ قرارات قاسية نوعا ما تعلّقت أساسا بحرية التنقل فأصدر رئيس الجمهورية التونسية أمرا بتاريخ 22 مارس 2020 يتعلّق بتحديد الجولان والتجمعات بكامل تراب الجمهورية خارج أوقات منع الجولان المنصوص عليها بالأمر الرئاسي المؤرخ في 18 مارس 2020.

ويقتضي الأمر الرئاسي المذكور أنه يحجّر جولان الأشخاص والعربات بكامل تراب الجمهورية خارج أوقات منع الجولان إلا لقضاء الحاجيات الأساسية أو لأسباب صحية مستعجلة ، كما ينص الأمر على منع كل تجمع يفوق ثلاثة أشخاص بالطريق العام أو بالساحات العامة وقد تم التنصيص على أنه يتم ضبط المقصود بالحاجيات الأساسية وكذلك مقتضيات ضمان استمرار المرافق العمومية بمقتضى أمر حكومي.

وهذه القرارات تجد أساسها في أحكام الفصل 49 من  الدستور التونسي الذي ينص على أن ” القانون حدّد الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها .ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة  تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها ، وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك، ولا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور.”

لا مراء أن الدولة اتخذت القرارات الآنفة الذكر حماية لحقوق المواطنين وحفظا للصحة العامة ، ويمكن تصنيف هذه القرارات على أنها السلاح الأقوى لمحاربة انتشار الفيروس والحدّ من مخاطر سريانه.. إذا من هذا المنظور فالدولة مارست سلطتها التي تعرّف بأنها القدرة على الفعل الإرادي والنافذ.

وحسب المفكرين وفلاسفة القانون فإن السلطة تقوم على ثلاث أسس تتكامل فيما بينها : أولا القوّة بما هي القدرة على الإكراه وثانيا القانون بمعنى أن تخضع تلك القوة التي تحملها السلطة إلى قاعدة قانونية تقنّنها وتحدّد الأشخاص الذين يمارسونها وخضوع القوة التي تجيزها ممارسة السلطة إلى قاعدة القانون ، أما ثالثا فيتمثل في الشرعية التي تدخل مبدأ الرضا العام ضمن معطيات السلطة.

على ضوء ما تقدّم فإنه يتضح أن مكمن السلطة وكنهها هي تلك القوّة التي يخضع لها الجميع عن طواعية والتي تلجأ لها الدولة لضمان حقوقهم وحرياتهم وفي المقابل لتقرير واجباتهم اللازمة نحوها وفيما بينهم ضمانا للتعايش والتعاون والاستقرار.

وهنا نعود للتعريف الذي أورده سبينوزا للدولة بكونها الكيان الهادف إلى تحقيق المصالح العامة المتمثلة في حماية حقوق الأفراد ككائنات عاقلة.

فهل كنّا بالفعل في هذه الفترة الحالكة من تاريخ أمّة تواجه الوباء ببضع إمكانيات مادية وببنية تحتية مهترأة كائنات عاقلة ؟

حقيقة لا أظن ذلك، فمظاهر الحياة الطبيعية التي تتعارض مع الأمر الرئاسي أعلاه ضربت المصلحة العليا ورهان حفظ الصحة العامة عرض الحائط، وهو ما حدا برئيس الجمهورية التونسية إلى إصدار أمر نشر أكبر عدد  من القوات العسكرية في كامل تراب الجمهورية مع تكثيف الدوريات و وضع نقاط أمنية وعسكرية في كل الأماكن بهدف حفظ الأمن ومقاومة كل التجاوزات، وحث المواطنين على ملازمة بيوتهم، واحترام الإجراءات التي تم اتخاذها، تجنبا للتجمعات والتنقلات التي لا موجب ولا مبرر لها.

هذه التقييدات على الحريات وخاصة منها حرية التنقل هي حق مخوّل للدولة التي لها استعمال سلطاتها وقوّتها إعلاء للإرادة الإنسانية العامة التي قد تتعارض مع إرادة الذات التوّاقة للتمرّد باُسم الحرية.

فالحرية حسب مونتسكيو لا تعني أن يفعل المرء ما يريد بل أن يتصرف وفق ما يسمح به القانون من أفعال داخل المجتمع.

علاوة على أن التجاوزات التي تعتبر من قبيل الهلاك والتهديد الجدي والكبير للأمن الصحي والإجتماعي تجعل الدولة ملزمة بحماية وجودها وبحماية مواطنيها وذلك باُستعمال القانون والقوّة.

لكن في حالة التمرّد أيهما الأسلم والأنجع للدولة ؟ تفعيل قوّة القانون أم قانون القوّة؟

الإجابة السليمة ستتمثل في القول بأن الدولة ملزمة بتفعيل قوّة القانون وفي صورة التعذّر لعدّة اعتبارات كالعصيان والتجاوز وعدم الامتثال فتفعيل قانون القوّة.

وحقيقة هذا التصريح قد يبدو من الناحية الحقوقية صادما غير أنه بإماطة اللثام عن مفهوم القوّة وتمييزه عن المعاني والمفاهيم المجاورة له قد يتضح المعنى وتتبين الرؤيا التي لا نريدها أن تصير ضبابية ولا قاتمة .

فالتساؤل الجوهري المطروح هنا هل أن اللجوء في مرحلة ثانية لقانون القوة يعني إباحة للعنف وتشريعا لاٌنتهاك الكرامة الإنسانية؟

بادئ ذي بدء يتعين التذكير بأن الدولة التونسية ملزمة طبقا للفصل 23 من الدستور بحماية كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد كما أنها ملزمة طبقا للفصل 22 من ذات الدستور على حماية الحق في الحياة الذي تم توصيفه على أنه مقدّس تأكيدا وتدليلا على علوية هذا الحق الأصيل.

بالتالي فلا جدال على أن تلك الحقوق من الثوابت القيمية والإلتزامات الأخلاقية المحمولة على الدولة التي عليها تحت أي ظرف ومسمى حمايتها وتحقيقها ، فلا يمكن إتيان ماهو غير مشروع لحماية حق مشروع.

لذا فالدعوة إلى الصرامة والقوة في تطبيق القانون في ظل دولة تعيش حالة حرب مع عدو فيروسي لامرئي لا يعدّ قطعا دعوة إلى إنتهاك جملة الحقوق والحريات.

فنحن أي نعم نحمي الناس حتى من أنفسهم جرّاء غياب وعيهم بخطورة المرحلة فلا مجال للتراخي والرحمة والتوسّل وهو ما نعني به تفعيل قانون القوة ، أي الضرب بيد من حديد لإنفاذ القانون لا لانتهاك الحقوق ، ولكن نحن لا ندعو في المقابل إلى تشريع أي إنتهاك وتعدّي.

فالقوّة تبقى مشروعة طالما لم تتعدى حدود وأطر القانون لأنه لو تجاوزته فسندخل لا ريب في ذلك في مربع العنف الذي هو ممارسة القوة ضدّ القانون والحق.

إذا فالبون شاسع بين المفهومين فالحق يحتاج القوّة لا العنف وهنا قد نتحدّث عن حق الرد الواقع إقراره صلب القانون الدولي العام بما هو حق الدولة في اللجوء إلى إجراءات ” ضارّة ” ولكنها ” جائزة ” ضد دولة أخرى لدفع ضرر وقع عليهها أو قد يقع عليها نتيجة لسلوك معادي إتخذته دولة أخرى..

حق الرد هذا اليوم خرج من بعده الدولي وتجذّر في بعد محلي ، فنراه متجسدا صلب الدولة نفسها وضد من يتخذ سلوكا معاديا لحق الحياة المقدّس..

هنا نقول طبقوا القانون بصرامة على الكافّة دون تمييز إعلاء لذلك الحق وفعّلوا القوة المشروعة لإنفاذه لكن دون أن تكون باقي الحقوق قربانا .

فلا مزايدات اليوم في مثل هذا الأمر لأن اليد المرتعشة كما لا تصنع التاريخ فهي تهدره وقد تشوّهه…

فالدولة مدعوة لحماية مواطنيها وعلى الأخيرين في الذكر حماية أنفسهم وغيرهم وعدم خرق القانون لتعريض أمة جمعاء لوباء لا دواء راهن له..فمن يفعل ذلك عمدا وقصدا هو إرهابي من نوع مستحدث مستجد…

حقيقة نحن أمام معادلة صعبة اليوم بين الحق في الحياة والحق في الكرامة والسلامة الجسدية ولكن أجهزة الدولة ومؤسساتها قادرة على تحقيقها وسننتصر حتما في معركتنا الوجودية التي لن تكتمل إلا بصون أبعادها الحقوقية والإنسانية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *