أخبار
الرئيسية / المجلة / المقالات / الملكية الفكرية في “زمن الكورونا” / الرئيس منصف الكشو

الملكية الفكرية في “زمن الكورونا” / الرئيس منصف الكشو

 

الرئيس منصف الكشو، رئيس دائرة بمحكمة التعقيب التونسية

 

“زمن الكوروانا “ هي عبارة يتميّز بها عنوان دراسة قانونية حول القوة القاهرة في مادة المرافعات المدنية والتجارية . وقد تم توظيف العبارة  في كتابات أخرى قانونية وصحفية . ومنه السؤال إن كان عنوان الدارسة يندرج في الحقوق المتصلة بالملكية الأدبية والفنية .

تهتم الملكية الفكرية بحماية حقوق المؤلف . وحماية المصنفات [1] والأعمال الأدبية والفنيّة .

ونتعرض الى دراسة مفهوم هذا الحق (الفقرة الأولى) ونطاق الحماية (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : مفهوم حق المؤلّف [2]

تقر مختلف التشريعات القديمة والحديثة بقدرة الإنسان على الابتكار والإختراع والإنتاج   فيترجم أفكاره ويحوّلها إلى أعمال أدبية وفنيّة يقتضي الأمر حمايتها لأهميتها الثقافية والحضارية وبغية التشجيع على الاستثمار والابتكار.

إن حق المؤلف كنظام قانوني بذاته لم يكن معروفا ولم تنظمه القوانين القديمة . ومع مطلع القرن الثامن عشر بدأت بعض النظم تطبق القانون المتعلق بحق المؤلف . ونذكر في ذلك القانون البريطاني لسنة 1710 الذي أقر الحق الحصري للمؤلف في طبع كتبه لمدة 14 سنة ثم تلتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال سنة 1790.

وفي فرنسا تعددت بعض القوانين المتفرقة إلى حين صدور قانون الملكية الأدبية والفنيّة بتاريخ 11 مارس 1957.

وإلى جانب الحماية على المستوى الوطني ظهرت الحاجة إلى حماية الملكية الأدبية والفنيّة على المستوى الدولي . وبرزت تلك الحاجة في اتفاقية بارن لحماية المصنفات الأدبية والفنيّة في جوان 1886 التي خضعت لعدة تعديلات . وقد كانت الحقوق موضوع اهتمام ايضا من قبل منظمة اليونسكو فبرزت الاتفاقية العالمية لحق المؤلف في سنة 1952 ومع إقرار العديد من الاتفاقيات على صعيد المنظمة العالمية للملكية الفكرية …

وعلى الصعيد العربي نلاحظ أن القانون العثماني . وهو “قانون التأليف الممتازة ” هو الذي كان يطبق في الدول العربية التابعة للسلطة العثمانية إلى حين أن أصدرت الدول قوانينها الخاصة وإقرار الإتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف في سنة 1981 بهدف ” حماية حقوق المؤلفين على المصنفات الأدبية والفنيّة والعلمية بطريقة فعّالة وموحدة ، وتجاوبا مع المادة الحادية والعشرين من ميثاق الوحدة الثقافية العربية الصادر في سنة 1964 التي أهابت بالدول العربية أن تضع كل منها تشريعا لحماية الملكية الأدبية والفنيّة “[3]

وفي إطار احترام حق المؤلف وحمايته أقرت مختلف الدول العربية القوانين التي تكفل حق المؤلف وحماية المصنفات الأدبية والفنيّة . ونذكر من بين الدول مصر ، الكويت ، السعودية ،سوريا ، عمان ، البحرين ، العراق ، ليبيا ، تونس ،الجزائر ، المغرب ،السودان ، موريتانيا…

وفي تونس صدر القانون عدد 12 لسنة 1966 المؤرخ في 14 فيفري 1966 حول الملكية الأدبية والفنية والذي تم إلغاؤه بالقانون عدد36 لسنة 1994 في 24 فيفري 1994 [4]والذي تم إتمامه وتعديله بالقانون عدد 33 لسنة 2009  المؤرخ في 23 جوان 2009 [5].

وقد أعطى المشرع مفهوما لحق المؤلف وهو الحق الذي ينفرد به صاحب المصنّف به دون سواه في استغلال مصنّفه  أو في الترخيص للغير في استغلاله …”

ويخلص من هذا التعريف أن للمؤلف حق الاستئثار بمصنّفه . وهو حق يقرّه القانون للأفراد  . وتسمّى حقوقا ذاتية نسبة لأصاحبها أي الذوات   les sujets  ويحميها القانون كمصالح ذاتية  intérêt juridiquement  protégé L’. ويعطي هذا الحق الذاتي لصاحبه

السلطة التي يخوّلها القانون للفرد . ويتكوّن من اربعة عناصر وهي :

*الإستئثار

*التحكم

*احترام الغير للحق

*تدخل القانون لحماية الحق

 

الفقرة الثانية : نطاق الحماية : حماية العنوان؟

بيّن المشرع جملة المصنفات التي تشملها الحماية . وقد جاء بالفصل الأول  من القانون عدد 33 لسنة 1994 أنه “يشمل حق التأليف كل مصنف مبتكر أدبيا كان أو علميا أو فنيا مهما كانت قيمته والجهة التي هو معد لها والطريقة أو الصيغة المستعملة في التعبير عنه ويشمل كذلك عنوان المصنف ”  وقد ورد أيضا بنفس الفصل أن ” المراد بالمصنف هو التأليف في صيغته الأصلية وكذلك في صيغته المشتقة ”  ثم وبنفس الفصل عدّد المشرع المصنفات المعنية بحق التأليف .

ويتضح من التعاريف السابقة أن المشرع يشترط شرطا وحيدا لكي يتمتع المصنف بحماية حق التأليف ،وهو أن يكون العمل الأدبي أو الفنّي أو العلمي مبتكرا l’originalité de l’œuvre.

ونقتصر على مسالة الابتكار في عنوان المصنف . فهل تشمله الحماية ؟ يجب أن يكون العنوان مبتكرا (أ) لينتفع بالحماية وبالحقوق الأدبية  (ب)

أ/ العنوان المبتكر

بدأ تداول عبارة ” زمن الكورونا “ منذ أيام في كتابات مختلفة على مواقع التواصل الإجتماعي  “فايسبوك” وغيرها . وتكرر استعمال نفس العنوان .  وقد أثار ذلك لدي سؤالا حول حماية الملكية الفكرية . فهل يتمتع مبتكر العنوان بحماية الملكية الفكرية ؟ أو بالأحرى هل تنطبق الحماية على عنوان المصنف الفكري ؟

من الثابت أن مختلف القوانين عدّدت المصنفات المحمية بواسطة حق التأليف تماشيا مع مختلف الإتفاقيات المتعلقة بحماية حق المؤلف .

ومن الثابت أيضا أنه تندرج في نطاق حق المؤلف مختلف المصنفات الأدبية والعلمية المكتوبة والشفوية . فهل يعتبر العنوان من المصنفات التي تمتع بالحماية ؟ يتمتع بالحماية بشرط الإبتكار.[6]

وتنص عديد القوانين العربية [7] و القانون الفرنسي [8] على أن عنوان المصنف يتمتع بالحماية . بشرط أن يكون مبتكرا [9] ذلك أن العنوان في ذاته قد تكون له الأهمية التي تعادل قيمة العمل . وفي كثير الأحيان يجذب العنوان القارئ والباحث والمعجبين والهواة ومنه فإن العنوان يتمتع بالحماية القانونية مثل المصنف . و” لا غرابة أن تخصص لعنوان المؤلف حماية شريطة أن يكون متميّزا بطابع ابتكاري ولم يكن لفظيا جاريا …” [10]

ويكون العنوان مبتكرا عندما حينما يعود للمؤلف اكتشافه بما يعني أنه لم يسبق استعماله ،فهو يمتع بالجدّة . وتشير مختلف القوانين إلى معيار الابتكار دون أن تعرفه . ويعتبره البعض حجز الزاوية لحق  المؤلف [11]. ويعتبره البعض من الفقه الفرنسي أنه يشكل البصمة الوراثية ADN لحق المؤلف [12]  وبهذه الشروط ينتفع المؤلف وبالضرورة عنوان المؤلف بحقوق أدبية 

ب/ الحقوق الأدبية

 

أن حقوق المؤلف هي مجموعة الحقوق الأدبية والمادية التي يتمتع بها أصحاب الحقوق عن استغلال مصنفاتهم الأدبية والفنية والعلمية  وهي حقوق إستئثارية يتمتع بها صاحب المصنف المبتكر عن إستغلال مصنفه أو الترخيص للغير في إستغلاله ، وقد ضمّن المشرع هذه الحقوق بالفصل 8 مكررمن القانون عدد33 لسنة  2009 وعليه لا يحق لأي كان أن ينقل أو ينشر أو يستنسخ مصنفا لمؤلف في أي شكــل أو صيغة أو طريقة فيها إنتهاك للحقوق المادية والمعنوية للمؤلف. . واتخذت المحكمة الإبتدايئة بتونس هذا الموقف [13]قولا ” وحيث وطبقا لأحكام الفصل 8 من قانون 1994 يتمتع المؤلف بحقوق أدبية و بحقوق مالية ، فأما الحقوق الأدبية فتتعلق بحق نسبة المصنف إليه أي حق الأبوة وحق الإحترام الذي يخول له حفظ مصنفه من كل تغيير أو تحوير أو تشويه و الحق في إخراج مصنفه إلى المجال العام وكذلك سحبه من التداول بين العموم. وأما الحقوق المالية للمؤلف فتتمثل في نقل المصنف إلى صيغة مادية ثم في عرضه على العموم ثم في ممارسة حق الإستئثار بالمصنف و التتبع في شأنه. ”

وتسمّى هذه الحقوق بحق النسبة أو الأبوّة .  وقد كان الفقيه الفرنسي Henri Desbois  وضّح بأنه يكفي أن يكون المصنف أصيلا لكي يترتب له حق التأليف .ولا حاجة لأن يكون جديدا . فالجدة لا تفترض الابتكار بل يكفي أن يضفي المؤلف على الفكرة شخصيته  وأن تتميّز بطابعه ليكون هناك ابتكار يحميه القانون [14] .وهو مفهوم تقليدي يربط الإبتكار بشخصية المؤلف . ويغني ذلك أن شرط الابتكار يقتضي أن يكون العمل معبّرا عن شخصية مؤلفه أي أنه يمثل البصمة الشخصية لصاحب العمل  « l’empreinte de la personnalité de l’auteur » “[15].أي أن الابتكار هو كل ما يعكس شخصية المؤلف [16] لوجود ترابط بين شخصية المؤلف وإنتاجه الفكري .

وقد كان العرب في العصر العباسي الذي ازهرت فيه الثقافة الأدبية بالتأليف والترجمة يتحرّون كيرا في السرقات الأدبية ويشهّرون بأصحابها [17] ويؤكد المشرع على هذه الحماية والحق بالفصل 11 من القانون الذي أوجب عند الاستشهاد والاقتباس ذكر المؤلف والمصدر  حتّى لا يتم تجاهل المجهود الذهني الشخصي للمؤلف ./.

والله ولي التوفيق

*رئيس دائرة بمحكمة التعقيب/ تونس

 

المراجع:

[1]  المصنف : هو التأليف والإبداع الفكري في الأدب والفن وفي الميدان العلمي .
[2]  يُعدّ مؤلفا على ضوء القانون المتعلق بالملكية الادبية والفنية الشخص الطبيعي الذي يبتكر عملا تتجمع فيه بعض الخصائص .  ويبرز فيه المجهود الذهني .
[3]  مأخوذة من ديباجة الاتفاقية .
[4]  الرائد الرسمي عدد17 لسنة 1994 مؤرخ في 1 مارس 1994 ، الصفحة 353.
[5]  الرائد الرسمي عدد 052 لسنة 2009 مؤرخ في 30 جوان 2009 ، الصفحة 2253.
[6]  لم يعرف المشرع الإبتكار وترك بذلك المسالة موكولة للفقه ولفقه القضاء الذي كان يعتمد قديما على مفهوم الجدة لحماية المصنفات بواسطة حق المؤلف. ويمكن أن نقدم تعريفا للإبتكار على المستوى اللغوي . فالإبتكار من مصدر ابتكر أي “اخترعه ، أنشأه، ابتدعه غير مسبوق إليه “.
[7]  المادة الخامسة من القانون السوداني”وتشمل الحماية كذلك عنوان المصنّف إذا كان متميزاً بطابع ابتكاري ولم يكن لفظاً تجارياً للدلالة على موضوع
المصنّف”، المادة الثانية من القانون الكويتي “ك – عنوان المصنّف إذا كان متميزاً بطابع ابتكاري ولم يكن لفظاً جارياً للدلالة على موضوع المصنّف”، المادة الثانية من القانون العماني …
[8] Article L112-4 CPI.
“Le titre d’une oeuvre de l’esprit, dès lors qu’il présente un caractère original, est protégé comme l’oeuvre elle-même.
Nul ne peut, même si l’oeuvre n’est plus protégée dans les termes des articles L. 123-1 à L. 123-3, utiliser ce titre pour
individualiser une oeuvre du même genre, dans des conditions susceptibles de provoquer une confusion”
[9]  الإبتكار: الطابع الإبداعي الذي يسبغ أصالة وتميّزا على المصنف . فهو عمل جديد لم يسبق وجوده ولم يكن معروفا من قبل . ولا بد أن يكون فيه  طابعا ابداعيا يعكس شخصية مؤلفه .
انظر :  محكمة التمييز القطرية، الدائرة المدنية والتجارية، قرار رقم 225 / 2011 ، الميزان البوابة القانونية القطرية.   http://www.almeezan.qa/RulingPage.aspx
يلاحظ أنّ محكمة التمييز القطرية أخذت بالمفهوم التقليدي للابتكار وأضافت أنّه  يحب ألا يكون المصنّف ترديداً لمصنّف سابق وقد جاء في قرارها.  “إذ كانا لمشرع فيما ضمنه نصوصا لمواد 1، 2، 7، 8، 10 ، 15 ، 17 منا لقانون 7 لسنة 2002   بشأن حماية حق ا لمؤلف والحقوق ا لمجاورة أوضح بجلاء طبيعة ا لمصنّف الذي شملته الحماية فجعل الابتكار هو الأساس الذي تقوم عليه هذه الحماية بحيث يبين أن صاحبه قد خلع عليه شيئاً من شخصيته ومن غير أن يكون ترديداً لمصنّف سابق .
[10]  صالح الضاوي ، الملكية الفكرية، ص 10.
[11] «  la pierre angulaire du droit d’auteur »  André LUCAS, Pierre SIRINELLI, L’originalité en droit d’auteur, JCP G, 9 Juin 1993 – n° 23.
[12] “L’originalité est en quelque sorte, l’ADN du droit d’auteur”. Christophe Caron, Droit d’auteur et droits voisins, 4e édition, LexisNexis, 2015, n° 82 .
[13]  الحكم الابتدائي عدد 26973 المؤرخ في 8/3/2017 (غير منشور) والواقع إقراره استئنافيا بعدد 17442 بتاريخ 30 /4/2019 .وهو محل طعن بالتعقيب .(لازال جاريا)
[14]  عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، حق الملكية، المجلد الثامن، دار النهضة العربية، القاهرة، رقم 170 ، ص. 292 .
[15] “L’originalité est traditionnellement conçue comme l’empreinte de la personnalité de l’auteur”. CA Paris, 4e ch.
20 novembre 1996, Code de la propriété intellectuelle, Litec, 2001, p.100..
[16]  انظر : ابتدائية بيروت  ، الغرفة الثالثة، قرار رقم 378 تاريخ 9/12/2003, بلال محمود عبدالله ، مرجع سابق ، ص 42 .
[17]  بلال محمود عبد الله ، حق المؤلف في القوانين العربية ، نشر المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية ، جماعة الدول العربية ، 2018 ، ص 14.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *