أخبار
الرئيسية / المجلة / القوة القاهرة  في المرافعات المدنية والتجارية في زمن الكورونا”كوفيد 19″/ القاضي الرئيس منصف الكشو

القوة القاهرة  في المرافعات المدنية والتجارية في زمن الكورونا”كوفيد 19″/ القاضي الرئيس منصف الكشو

القاضي الرئيس منصف الكشو

رئيس دائرة بمحكمة التعقيب في تونس 

 

ظهر في 31 ديسمبر 2019 بمدينة ووهان الصينية فيروس مُعد  يصيب الجهاز التنفسي للشخص – عافى الله الجميع – ” يسمى كورونا “كوفيد 19″  وقد توسع هذا الفيروس بسرعة في عدة مناطق من دول العالم . وهو مرض مستجد له صبغة الوباء بحسب تصنيف منظمة الصحة العالمية .

وقد صنفه المشرع التونسي بدوره بالفصل الاول من الأمر الحكومي عد152 لسنة 2020 الصادر بتاريخ 13 مارس 2020  19” في صنف الأمراض السارية  ، أي المعدية ، والمخطرة  المنصوص عليها بالمرفق الملحق بالقانون عدد 71 لسنة 1992 المتعلق بالأمراض السارية.[1]
ويسمح الأمر الحكومي عدد 152 لسنة 2020 اتخاذ الإجراءات الردعية والعقابية بموجب الفصل 3 من الامر ضد كل من يرفض العلاج أو يخالف العزل الصحي [2]،  تفعيلا لما تضمنه الفصل الثاني من الامر من انه  ”  تنطبق على الإصابة بفيروس كورونا الجديد “كوفيد 19″ وعلى المصابين به الأحكام المتعلّقة بوجوبية الفحص والعلاج والاستشفاء الوجوبي بغرض العزل الإتقائي بنفس الشروط الواردة بالأحكام التشريعيّة والترتيبيّة الجاري بها العمل والمتعلقة بالأمراض السّارية.”

وقد بيّن المجلس الأعلى للقضاء بالمذكرة الصادرة عنه  في 15 مارس 2020 أن الوضع الصحّي الاستثنائي الذي تمر به البلاد نتيجة مرض الكورونا يدعو إلى اتخاذ بعض التدابير وكان أولها بالمذكرة ” اعتبار الوضع الصحي العام الذي تمر به البلاد هو من قبيل القوة القاهرة .”[3]

كما ورد ببيان الهيئة الوطنية للمحامين بتونس بتاريخ يوم 15 مارس 2020 انه ” وتبعا لاعتباران الحالة الصحية تشكل قوة قاهرة فانه يترتب عن ذلك امكانية التمسك بالقوة القاهرة ان تم ايداع اي مطلب خارج الاجال مع مراعاة ان تلك الاجراءات مقررة مبدئيا الى حدود  افريل 2020 “[4]

وقد أثار تكييف الوضع الصحي بالقوة القاهرة من قبل المجلس الأعلى للقضاء  ومن طرف الهيئة الوطنية للمحامين  وما يترتب عن ذلك من ” إمكانية التمسك بالقوة القاهرة إن تم ايداع أي مطلب خارج الآجال ” بحسب بيان الهيئة السؤال عن حجية هذه التدابير أمام وضوح النص القانوني في المرافعات المدنية التجارية الذي لا يعترف بالقوة القاهرة للتفصي من جزاء سقوط الإجراء لحصوله خارج الآجال . وهو لئن كان مقبولا في الإجراءات الجزائية بموجب القانون فإنه لا يجد له نصا في المرافعات المدنية والتجارية .

ولذلك يكون من الأهمية التطرق إلى المسالة وبسط الرؤية في مقبولية القوة القاهرة في مادة الإجراءات المدنية والتجارية بناءا على يمكن استقراؤه من النصوص القانونية ومن فقه القضاء ومن رؤية المجلس الأعلى للقضاء والهيئة الوطنية للمحامين

يكتسي تحديد الآجال في الإجراءات المدنية أو الجزائية أهمية كبرى . فحسن تنظيم الآجال في الإجراءات التي يتم اتباعها في التقاضي أو الطعن يساهم بصفة ملموسة في اختصار مدّة النزاع ويسرّع فيها – حصر آجال الطعن مثلا –  إضافة إلى كونه يحمي حقوق الدفاع من خلال تحديد مواعيد الحضور وإيداع المستندات والتقارير . ولحصر الموضوع والإحاطة به يمكن التطرق الى مسالة الأجل باعتباره من المسقطات وهو أجل سقوط un délai de forclusion  دون ما يتعلق بآجال التقادم باعتبارها بطبيعتها تقبل القطع والتعليق .  وهذه الآجال تم ضبطها في المادة المدنية بمختلف فصول مجلة المرافعات المدنية والتجارية ومن بينها آجال الطعن وتقديم المستندات لمحكمة الطعن . وقد كان التحديد صارما فهو بصيغة النص ”  الأجل المضروب للاستئناف عشرون يوما تبتدئ من تاريخ بلوغ الإعلام بالحكم كما يجب للمحكـوم عليه ما لم ينص القانون على تاريخ آخر أو طريقة أخر   ..” ورتب الفصل 143  من م م م ت الجزاء عن عدم احترام ذلك الأجل  قولا ” يسقط الاستئناف الواقع بعد الأجل القانوني ”

كما أخضع المشرع الطعن بالتعقيب  لأجل مضبوط وهو بحسب الفصل 195 من م م م ت عشرون يوما إذ ” يجب على من يريد الطعن بالتعقيب أن يرفع طعنه في أجل لا يتجاوز العشرين يومـا مـن تـاريخ إعلامه بالحكم بصفة قانونية ما لم ينص القانون على أجل آخر ورتّب بنفس الفصل الجزاء عن تسجيل الطعن خارج الأجل المذكور “… ويسقط الطعن بمضي الأجل المذكور.”

ويحصل أن لا يحترم الطاعن الآجال المذكورة لممارسة حق الطعن لأسباب تخرج عنه وليس له إمكانية تفاديها والتي تُعدّ من القوة القاهرة  .  ومنه نطرح التساؤل عن تأثير تلك القوة القاهرة في الإجراءات المدنية . ونحصرها فيما يتعلق بالآجال أي بآجال تقديم مطلب الطعن ومستندات الطعن سواء بالإستناف أو التعقيب .؟ فندرس آثار القوة القاهرة عند تطبيق قانون المرافعات المندية والتجارية . فهل يمكن العمل بها وقبولها في ميدان الإجراءات المدنية .؟ وهل تجد القوة القاهرة كإحدى وسائل الإعفاء من المسؤولية المندية مجالا في الإجراءات المدنية للتخلّص من عقوبة الإجراءات أو من جزاء عدم التقيّد بالإجراءات. ؟

ونُعرّف المصطلحات لمزيد تحديد الإشكالية المطروحة . فبالنسبة لتعريف القوة القاهرة يجدر التوقف عند المصطلح على المستوى القانوني. ويؤخذ من الفصلين 282 و283 من م ا ع أن القوة – ضد الضعف – القاهرة هي السبب الذي لا ينسب لمن يدفع به ولا يمكنه دفعه ويمنعه عن الوفاء بالواجب المحمول عليه .[5] ونعني بالإجراءات المدنية جملة الأحكام والضوابط التي حدّدها المشرع لسير الخصومة القضائية والتي تعتبر المسلك الذي يجب اتباعه من طرف المتقاضي وأن المعتبر فيها ليس رضائيتها وإنما شكلياتها [6].  فهي جملة القواعد التي ترسم طريقة رفع الدعوى والمرافعة والحكم وطرق الطعن . ويمكن تبنّي نفس المفهوم في الإجراءات المدنية بما يُخوّل عدم تسليط الجزاء الإجرائي كلما أثبت المتقاضي – الطاعن بالأساس – وجود العنصر الخارجي الذي لم يكن يتوقعه واستحال معه احترام الإجراء الوجوبي .وعليه تتماثل عناصر القوة القاهرة بمجلة الإلتزامات والعقود مع المقصود بها في مادة المرافعات المدنية والتجارية . وهو ما جعل فقه القضاء [7]يستعمل نفس العبارات المضمنة بالقانون المدني العام بمجلة  الإلتزامات والعقود في المرافعات المندية والتجارية مثل “استحالة مادية ” و”مانع شرعي “و”الظروف الإستثنائية الخارجة عن السيطرة ” و” لم يكن بالإمكان الاحتراز منها أو تجنبها أو تلافيها”

كما نعرّف السقوط في مادة المرافعات المدنية والتجارية ونقارنه بالبطلان في نفس المادّة

فالسقوط لا يعني البطلان والبطلان لا يعني السقوط . ويكمن الاختلاف فيما بينهما في طبيعة كل منهما والمصالح التي يحميانها والآثار المترتبة عن كل منهما .

فمن حيث طبيعة كل من الأجلين يمكن القول أن آجال التقادم ليست سوى آلية إثبات فهي ذات طبيعة إثباتية أو ثبوتية وتتعلق بإثبات انقضاء الالتزام ومقتضاها أنها تضع قرينة على أنه بسكوت الدائن خلال الأجل المضروب يعتبر الدين منقضيا أما آجال السقوط فهي آجال إجرائية تقوم على تصور تشريعي عام للإجراءات والدعاوى والطعون و لا علاقة لها بالالتزامات ولا بإثبات انقضائها.

وأما من حيث المصالح المحمية بكل واحد من الأجلين  فيجوز القول بإن آجال التقادم لا تحمي إلا مصالح خاصة وتبعا لذلك فهي تقبل التنازل عنها ولا يثيرها إلا من له مصلحة في التمسك بها، أما الآجال الإجرائية أو آجال السقوط فهي لا تتعلق بالإثبات وبالتالي هي غير موضوعة لحماية مصالح خاصة بل إلى حماية المصلحة العامة وتسعى إلى مجازاة سلوك فاقد للحزم يؤدي الإخلال به إلى فقدان الحق في ممارسة الدعوى حماية للاستقرار القانوني وتقوم على فكرة الجزاء لحث أصحاب الحق على اليقظة وحماية استقرار الأوضاع[8]  وتخضع لأحكام الفصل 13 م م م ت ومن أجل ذلك تتعلق بالنظام العام ومن واجب المحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها ويمكن التمسك بها ولو لأول مرة أمام التعقيب .

وأما من حيث الآثار المترتبة عن كل واحد من الأجلين وترتيبا على كون آجال التقادم مجعولة لحماية مصالح خاصة ومن كونها تضع قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس فإن الدائن الذي يمارس دعوى ضد مدينه أو أي إجراء تنفيذي يثبت عكس القرينة أن المدين لم يف بما عليه وذلك ما يبرر العمل بالقطع والتعليق والأمر على عكس ذلك في خصوص الآجال الإجرائية أو آجال السقوط التي تضع قرينة مطلقة ولا تقبل إثبات العكس فلا تقبل القطع ولا التعليق تبعا لكونها لا تتعلق بالإثبات وغير موضوعة لحماية مصالح خاصة.

وقد عرفت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب البطلان [9] بكونه “جزاء عن تخلف ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحّته وهو يتفرّع إلى نوعين: مطلق ونسبي”[10] وقد بيّنت محكمة التعقيب[11] بأن”هذه القاعدة تعتبر من القواعد الاستدلالية ترسم الطريق لاستخراج الأحكام من الأدلة وتستمد قوتها من ذاتها فلا تحتاج إلى نص يكرسها باعتبارها تستند إلى المنطق والعقل دون الحاجة إلى نص يقررها ويعمل القاضي على تقريرها من روح التشريع وفلسفة القانون وغاياته وأهدافه ويعلنها من خلال أحكامه ويعطيها القوة الملزمة “.

ومن جهة الإجراءات فالملاحظ أنها تتضمن جانبا شكليا يتعلّق بشكليات رفع الدعوى وشروط التّعهّد وسير الخصومة وشروط الطعن وكل إخلال بالجوانب الإجرائية الشكلية يترتب عنه جزاء البطلان الاجرائي الذي نص عليه الفصل 14 من م م ت، هو جزاء الإخلال بالشّكل الإجرائي.

ونتساءل عن فكرة قبول مبدأ القوة القاهرة في المادة المدنية والتجارية (الفرع الثاني ) وعن العوائق القائمة حاليا لقبولها (الفرع الأول )

 

الفرع الأول : عوائق قبول القوة القاهرة في مادة الإجراءات المدنية والتجارية

تظهر العوائق على مستوى غياب النص التشريعي الذي يكرس القوة القاهرة في الإجراءات المدنية والتجارية  (الفقرة الاولى ) وعلى مستوى الصبغة الشكلية للإجراءات المدنية (الفقرة الثانية )

الفقرة الأولى : غياب التكريس التشريعي

لا نجد في مجلة المرافعات المدنية والتجارية أي مرجع صريح في القوة القاهرة (1) ونجدها في مجلة الإجراءات الجزائية (2) وفي بعض أحكام القانون المقارن (3)

1/ غياب التكريس التشريعي في مجلة المرافعات المدنية والتجارية

من المعلوم أن القوة القاهرة تحول عند حدوثها دون مطالبة الأطراف بحقوقهم والمحافظة على مراكزهم القانونية أو الدفاع عنها في المواعيد المحددة. فهل للأطراف الاعتداد بالقوة القاهرة أمام محكمة الطعن للحيلولة دون سقوط طعنهم لخرق الأجل المضبوط بالفصلين 143 و 185 من م م م ت ؟

ولابدّ أن نبيّن في إطار الجواب أن الفصل القانوني في مجلة المرافعات المدنية والتجارية لم يتحدث عن القوة القاهرة. ولم يعتبرها حائلا دون ممارسة الطعن في الأجل أو أنها تبرر خرق الأجل. فلا مكانة إذن للقوة القاهرة. وينطبق الجزاء وجوبا من طرف المحكمة تطبيقا للقاعدة العامة بالفصل 13 من م.م.م.ت بضميمة النص الخاص بالتعقيب وهو الفصل 185 من نفس المجلة باعتبار أن آجال الطعن بداية ونهاية مقيّدة ومضبوطة بنصوص قانونية يجب تطبيقها والوقوف عند حدّها لأنها تهم النظام العام.

وردت صيغة الفصل 13 من مم م ت واضحة وصريحة . وقبله كانت مجلة المرافعات  لسنة 1910 تعطي للقاضي الخيار في تطبيق المسقطات والمبطلات فقد كان الإختيار للقاضي تطبيق الجزاء في السقوط والبطلان . فقد كان يجتهد في تقدير أسباب الخلل ليقرر النتيجة في السقوط والإبطال على ضوء ذلك . وهي ما يمكن أن نعبّر عنه عن الثقة في القاضي في ظل قانون أصول المرافعات المدنية التونسي لسنة 1910.

 

2/ التكريس التشريعي في مجلة الإجراءات الجزائية

على خلاف مجلة المرافعات المدنية والتجارية تضمنت مجلة الإجراءات الجزائية أحكاما للقوة القاهرة. فقد منع المشرع بالفصل 213 من م ا ج قبول الطعن بالاستئناف خارج أجل العشرة أيام إلاّ في صورة القوة القاهرة[12]. كما تضمن الفصل 262 من نفس المجلة أنه ” لا يقبل مطلب التعقيب فيما عدا صورة القوة القاهرة إذا لم يقدم إلى كتابة المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه في ظرف عشرة أيام ..”[13]

ويخضع تقدير القوة القاهرة هنا لقاضي الأصل . أي أنها مسألة اجتهادية . ولا نجد مبررا للقوة القاهرة في قبول الطعن خارج الآجال سوى أن الأحكام الجزائية تمس بالحريات العامة وأنه من الأفضل تمكين المحكوم ضده من عرض قضيته على محكمة من أعلى درجة وأنه لا مانع من إسعافه بالقوة القاهرة لتجنب رفض طعنه شكلا . ومن بين الصور التي اعتبرها فقه القضاء من القوة القاهرة هو تعطيل العمل فجأة . فقد اعتبرت محكمة التعقيب [14]أن تمديد السلطة لعيد المولد النبوي الشريف بيوم إضافي بما نتج عنه تعطل العمل في اليوم الذي يوافق آخر أجل للطعن يشكل قوة قاهرة ومنه نقضت قرار محكمة الإستئناف الذي قضى بخلاف ذلك .

كما تضمن الفصل 262 من نفس المجلة أنه ” لا يقبل مطلب التعقيب فيما عدا صورة القوة القاهرة إذا لم يقدم إلى كتابة المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه في ظرف عشرة أيام ..”[15]

3/ بعض أحكام القانون المقارن

وبالرجوع إلى الأحكام المتعلقة بالإستئناف في قانون المرافعات الفرنسية نتبيّن أن المشرع يخفّض من صرامة الجزاء برد الطعن شكلا ويضفي عليه نوع من المرونة إذ يقبل صراحة تفعيل القوة لإزاحة رد الطعن من الناحية الشكلية لعدم احترام أجل الإستئناف ويعطي للقاضي تقدير وجود القوة القاهرة ومدى ثبوتها فهو يقرها من جهة المبدأ تحت رقابة القاضي . فقد تضمن الفصل 910/3 من القانون المذكور أنه ”

«  En cas de force majeure, le président de la chambre ou le conseiller de la mise en état peut écarter l’application des sanctions prévues aux articles 905-2 et 908 à 911 »

 

 الفقرة الثانية : الصبغة الشكلية للإجراءات المدنية والتجارية

إن الوصول إلى العدالة تعوقه عدّة صعوبات .ومن بينها تلك التي ترتبط بالطابع الشكلي للإجراءات [16] على مستوى القيام والطعن وتنفيذ الأحكام . ويعاب على هذا الطابع الشكلي أنه يؤول أحيانا إلى فقدان أصل الحق بسبب خلل إجرائي يمكن تجاوزه حتّى لا يبقى القضاء مكبّلا بصرامة الشكليات التي تضيع معه الحقوق . ويمكن أن يتم التخفيف بعدة سبل منها القبلية أي قبل الولوج إلى العمل الإجرائي وهو دور المحامين وعدول التنفيذ الذين يجد فيهم المتقاضي المساعدة الازمة وهي مساعدة قبلية . ويمكن أن نضيف إليها مساعدة بعدية أي تلك التي تنبع من القاضي وتتمثل في إدخال مرونة على نظام توقيع الجزاء الإجرائي بتخفيف الجزاء كلما وجدت السبل التي تسمح بذلك . فمثلا يمكن عدم توقيع الجزاء الإجرائي لنقص في بعض البيانات كلما وجدت بيانات تعوّضها كعدم ذكر يوم الجلسة مع وجود التاريخ أو عدم ذكر السجل التجاري للشركة في الإستدعاء مع وجود ختم الشركة عند توصلها بالاستدعاء. فيتم استبدال النقص ببيان آخر. وتعدّد الأمثلة والتي يتم تدارسها حالة بحالة .

ورجوعا الى الطابع الشكلي يتبيّن أن المشرع أخضع الطعن بالتعقيب  لأجل مضبوط وهو بحسب الفصل 195 من م م م ت عشرون يوما إذ ” يجب على من يريد الطعن بالتعقيب أن يرفع طعنه في أجل لا يتجاوز العشرين يومـا مـن تـاريخ إعلامه بالحكم بصفة قانونية ما لم ينص القانون على أجل آخر ورتّب بنفس الفصل الجزاء عن تسجيل الطعن خارج الأجل المذكور “… ويسقط الطعن بمضي الأجل المذكور.”    فهي آجال سقوط ،وينطبق عليها الفصل 13 من م م م ت في أن ” المسقطات كلها وجوبية تتمسك بها المحكمة من تلقاء نفسها.” وبطبيعة هذه الآجال أن يؤول عدم احترامها إلى سقوط الطعن la déchéance , la forclusion.  ويكون ذلك عادة عندما يضبط المشرع أجلا محدّدا للقيام بإجراء الطعن مثلا على اعتبار أن المسقطات تهم النظام العام الإجرائي .

ومن المعلوم أن ضبط الآجال مسألة مهمّة في حسن سير الإجراءات وتساهم كثيرا في أن تكون المحاكمة عادلة ومنه توفير الأمان القضائي   وهذه الآجال ذات الصبغة الإجرائية على خلاف آجال التقادم لا تخضع للأسباب الاعتيادية للقطع والتعليق  . وبعضها يهدف إلى ضمان نوع من السرعة في سير الخصومة فيجعل لها المشرع آجلا قصوى للقيام بالإجراء  ومنها آجال رفع الطعون . وهذا الصنف منها هو أجل قيام « Délai d’action »  التي يؤول عدم احترامها إلى سقوط الحق كالطعن خارج الأجل القانوني .

في حين تهدف بعض الآجال الإجرائية الأخرى والتي بدورها جعل لها المشرع آجالا قصوى إلى حماية حقوق الدفاع لأكونها آجال حضور أمام القضاء « Délai de comparution »

ويبرز من خلال التطبيق القضائي أن عدّة طعون سواء بالاستئناف أو بالتعقيب تنتهي بالرفض شكلا لعيوب شكلية تطول الطعن .  وقد استقر فقه القضاء والتطبيقات القضائية في الأصل على تطبيق جزاء رد الطعن شكلا سواء بالإستئناف أو التعقيب كلما كان خارج الآجال فهي آجال صارمة وردت لتنظيم الطعن وتتعلق بالإجراءات الأساسية التي يترتّب عن عدم احترامها البطلان .  

والملاحظ أن إجراءات الطعن تخضع لآجال دقيقة فنتحدث عن صرامة أجل الذي حدّده المشرع سواء في رفع الطعن أو بخصوص  أجل تقديم مستندات الطعن  وهي آجال صارمة . ويتعيّن على الطاعن التقيّد بالآجال المنظمة للطعن تحت طائلة سقوط الطعن . فهي آجال صارمة  . فيجب عليه تسجيل الطعن في أجل عشرين يوما من إعلامه بالحكم كما يجب عليه. أن يقدم لكتابة محكمة التعقيب في أجل ثلاثين يوما من تقديم عريضة الطعن الفصل جملة من الوثائق تضمنها الفصل 183 من م م م ت .[17] وقد رتب المشرع عن عدم احترام الأجل الجزاء الذي يتمثل في سقوط الطعن فالأجل هو من المسقطات وينطبق عليه النظام القانوني للفصل 13 من م م م ت

ومن جهته يتعيّن على المعقب ضده احترام الأجل لتقديم ردوده على المطاعن إن كانت . فله أن يقدم بواسطة محام مذكرة في دفاعه ومؤيداته خلال فترة زمنية لا تتجاوز ثلاثين يوما يحتسب من تاريخ إعلامه بعريضة أسباب الطعن .

الفرع الثاني : إمكانية قبول القوة القاهرة في مادة الإجراءات المدنية والتجارية

لئن كانت النصوص واضحة في فهمها وغايتها في سقوط الطعن لعدم احترام الآجال ولكن تفعيلها أثار عدّة إشكاليات. فقد يؤول رد الطعن شكلا لسبب إجرائي ومنها عدم احترام الأجل إلى ضياع الحقوق الأصلية رغم كونها بيّنة والإضرار بأصحاب الحقوق حال أن مهمة القضاء هو حماية الحقوق ورد المغتصبة منها لأصحابها. [18]وقد أدّى ذلك بمحكمة التعقيب إلى اعتبار أنّ: ” الحق يعلو ولا يعلى عليه. وأنه إذا تعارضت القاعدة الإجرائية مع الحق وأصبحت تحول تأمينه بل إنها سببا في هدره فإنه يجب على القضاء وهو الحارس للحقوق أن لا تصدّه الإجراءات الشكلية عن تغليب جوهر الحق على الشكل  ذلك أن الغاية من تشريع الاجراءات هو إعلاء الحق “[19]. وتجد الفكرة أساسها في أن الإجراءات ليست غاية في حدّ ذاتها وإنما هي السبيل الذي يتبعه المتقاضي لرفع دعواه أمام حكمة البداية أو الطعن فيما قضي به ضده أما م المحكمة الأعلى درجة. كما تجد الفكرة أساسها في أنه على القاضي إيصال الحقوق لأصحابها[20]. ومع الملاحظ أن عديد القرارات التعقيبية بهاجس إعلاء الحق تطالب محاكم الأصل بالبحث والاستقراء  لكشف الحقيقة لتتطابق الحقيقة القانونية مع الحقيقة الواقعيّة[21].

ونتساءل في هذا الإطار عن إمكانية إسعاف الطاعن بالقوة القاهرة لتفادي جزاء سقوط الطعن ؟ يمكن القبول بذلك على أساس بعض الحجج النصية وعلى أساس بعض التطبيقات القضائية . فما هي الحجج المؤيدة لقبول القوة القاهرة ؟ (الفقرة الأولى) وماذا عن تطبيقات فقه القضاء في المسالة ؟ (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : حجج القبول بالقوة القاهرة في مادة الإجراءات المدنية والتجارية

يمكن أن نستند الى بعض الحجج المأخوذة من مجلة المرافعات المدنية والتجارية (1) وإلى التداخل بين الإجراءات المدنية والإجراءات الجزائية (2) وإلى ضمانات المحاكمة العادلة (3)

1/ الحجج المأخوذة من مجلة المرافعات المدنية والتجارية

نتحدث عن العذر الشرعي في العقلة التوقيفية (أ) وفي عدم الإدلاء ببطاقة الإعلام بالبلوغ المنصوص عليها بالفصل 8 من م م م ت (ب) وعن السبب الخطير في إجراءات العقلة العقارية (ت)

أ/ : العذر الشرعي في العقلة التوقيفية   

اقتضى الفصل 341 من م م م ت أنه : ” إذا لم يقدم المعقول تحت يده تصريحه على الوجه وفي المواعيد المقررة بالقانون أو قدم تصريحا كاذبا أو أخفى الأوراق الواجب عليه تقديمها لتأييد تصريحه وجب اعتباره مدينا لا أكثر ولا أقل للدائنين العاقلين أو المعترضين والحكم عليه بأن يؤدي لهم ديونهم وذلك بقطع النظر عن غرم الضرر….”  واقتضي الفصل 339 من م م م ت أنه للمعقول تحت يده ان كان عذر شرعي أن يقدم تصريحه أو يتلافى ما به من نقص أو يضيف الأوراق المؤيدة ما دامت القضية منشورة أمام محكمة الدرجة الثانية الى تاريخ ختم المرافعة...”

بما يعني أنه يجب ان يكون عدم تقديم التصريح ناجما عن سبب يقوم مقام العذر الشرعي أي ان يكون التقصير المذكور عملا غير ارادي استوجبته ظروف معينة وخارجة عنه . وهي شكل القوة القاهرة . وبيّنت محكمة التعقيب [22]أنه يفهم من الفصل 339 المذكور أن التصاريح التكميلية يقدمها المعقول تحت يده من تلقاء نفسه اذا كان له  عذر شرعي يتمثل في تعذر مادي او قانوني يحول دون الالتزام بتقديم التصريح على الوجه الاكمل وفي مواعيده و يرجع لأمور خارجة عن ارادة المعقول تحت يده او فعله. وهو التفسير الذي ينطبق على القوة القاهرة . ومنه يجوز القول بالتكريس الجزئي للقوة القاهرة في الإجراءات المدنية من طرف المشرع في نظام العقلة التوقيقية .

وفي مزيد التوضيح بيّنت محكمة التعقيب [23]مفهوم العذر الشرعي وطبّقت عليه شروط القوة القاهرة كما هي بالفصلين 282/283 من م ا ع . ويتضج ذلك فيما يلي ” وحيث يفهم من الفصل المذكور ان التصاريح التكميلية يقدمها المعقول تحت يده من تلقاء نفسه اذا كان له عذر شرعي يتمثل في تعذر مادي او قانوني يحول دون الالتزام بتقديم التصريح على الوجه الاكمل وفي مواعيده ويرجع لامور خارجة عن ارادة المعقول تحت يده او فعله او تركه فالادعاء بتقديم تصريح كتابي او منقوص لدى الطور الابتدائي نظرا لكثرة العمل مثلا كما دفعت به الطاعنة لا يعد من الاعذار المبرئة بل هو ناتج عن تركها ويترتب عنه اعتبار المعقول تحت يدها المذكورة مدينة لا اكثر ولا اقل للدائنة العاقلة وفقا للفصل 339 من م م م ت ”

ومنه لايجوز تبعا لذلك إدراج السهو في العذر الشرعي[24] . فهو ترك بفعل المعقول يده بمعنى أن شرط خروج الفعل عنه غير متوفروبالتالي ليس من القوة القاهرة .

ب/ : التعذر في الإدلاء ببطاقة الإعلام بالبلوغ

يوجب المشرع بالفصل 8 من م م م ت على العدل المنفذ عند التبليغ بطلب من المدّعي أوالطاعن في صورة عدم تسليم نظير المحضر إلى الشخص المعني مباشرة لعدم وجوده بمقره وامتناع من وجده من تسلم النظيرأن يوجه له مكتوبا مضمون الوصول . ويتعيّن لإثبات سلامة التبليغ إضافة بطاقة الإعلام بالبلوع . وبحسب الفقرة الأخيرة من الفصل 8 من م م م ت فإنه “لا لزوم للإدلاء ببطافة الإعلام بالبلوغ في القضايا الإستعجالية وكذلك عند تعذر الإدلاء بها “. ويعني ذلك أن المشرع يوجب إجرائيا لكي يكون التبليغ سليما إضافة البطاقة . وهي مسالة أساسية يتجه فقه القضاء – في أغلب الحالات – إلى رد الدعوى أو رفض الطعن شكلا لعدم إضافة البطاقة على أساس مخالفة الفصل 14 من م م م ت [25] قولا -مثلا في مادة الطاعن بالتعقيب –بأن المشرع يفرض بالفصلين 81 و185 من م م م ت أن يتم تبليغ مستندات الطعن إلى المعقب ضده بواسطة العدل المنفذ في مقره الأصلي أو في مقره المختار وأنه يجب تسليم مستندات الطعن الى الشخص المعني بها وفي صورة لتعذر فلا يكون التبليغ تامّا إلا بترك نظير منها بالمقر وتوجيه مكتوبا مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ الى الشخص المعني وللتحقق من إتمام الإجراء المستوجب يجب على طالب التبليغ الإدلاء ببطاقة الإعلام بالبلوغ إلا اذا تعلق الأمر بقضية  استعجالية  أو تعذر الإدلاء بها . ويُعدّ الإجراء المذكور من الإجراءات التكميلية والمتمّمة للتبليغ وفي غيابها يكون التبليغ غير تام بما يتعين معه سقوط الطعن شكلا .

والمهم في هذا هو أن المشرع أقر الواجب الذي يترتب عنه بطلان القيام أو الطعن ولكنه يزيح الجزاء إذا تعذر على طالب التبليغ إضافة البطاقة . ويرجع ذلك لعدّة أسباب فالمشرع لم يعيّن صورا مخصوصة لإثبات التعذر .وتقبل فيها تبعا لذلك كل  الحجج التي تثبت التعذر بسب خارج عن المدعي أو الطاعن كإضافة شهادة من إدارة البريد . وهي تلك التي تندرج في معايير القوة القاهرة بما يعني أن فكرة التشريع في الإجراءات المدنية تقبل بالقوة القاهرة التي يتعذر بها طالب التبليغ . وهو تخفيف من المشرع في عدم ترتيب الجزاء كلما وجد التعذر . وهو دليل على أن المشرع على دراية بأنه لا يمكن أحيانا الإدلاء ببطاقة الإعلام بالبلوغ .

وبقطع النظر عن فكرة التعذر فإن تطبيق الجزاء عن عدم الإدلاء بالبطاقة فإنه بالتحقق من نص الفصل 8 من م م ت يتبيّن أن الواجب في توجيه الرسالة مضمونة الوصول قد فرضه على العدل المنفذ وعليه من المتعيّن على المحكمة التحقق من توجيه المكتوب مضمون الوصول ولا تمر إلى القضاء في الأصل ما لم تتحقق من قيام العدل المنفذ بالإجراء . ولئن كان المشكل غير مطروح بالنسبة للقضايا المعروضة أمام محاكم الأصل إذ يمكن تأجيل الأطراف لإضافة البطاقة أو ما يفيد التعذر فإن ذلك غير جائز بالنسبة للطعن بالتعقيب .[26]

ث/ : السبب الخطير في إجراءات العقلة العقارية

اقتضى الفصل 433 من م م م ت أنه ” لا يمكن تغيير تاريخ البتة إلا لسبب خطير مبرر كما يجب وبحكم معلل”  وتبرر هذه الأسباب الخطيرة تأجيل البتة لتاريخ غير التاريخ المبين بكراس الشروط . وهو تأجيل وجوبي يخضع فيه تقدير السبب الخطير إلى اجتهاد دائرة البيوعات العقارية، فالقاضي هو الذي يضفي الصبغة الخطيرة على السبب الموجب للتأجيل.ويصدر حكما في ذلك . ولا يمكن حصرالسبب الخطيرفي حالة معينة بذاتها وإنما يتم التقدير بحسب كل وضعية حسب اجتهاد القاضي. وهو بمثابة القوة القاهرة التي يعتد بها لتمديد الأجل وتأخيره عما هو محدد مسبقا .

 

  2/ التداخل بين الإجراءات المدنية والإجراءات الجزائية  : موقف الدوائر المجتمعة في الخطأ البيّن في المادة الجزائية

اقتبست الدوائر المجتمعة من مجلة المرافعات المدنية والتجارية الطعن من أجل الخطأ البيّن على معنى الفصل 192 من م م م ت وفعّلته في المادة الجزائية [27] على أساس كونية حقوق الإنسان قولا ” لا يختلف اثنان في كون إجراءات وقواعد تصحيح الخطأ البين إنما وردت أساسا بالفصلين 192 و 193 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية دون مجلة الاجراءات الجزائية رغم توقع حصول نفس الأخطاء (وهي الرفض شكلا بناء على غلط واضح واعتماد القرار التعقيبـي على نص قانوني سبق نسخه ومشاركة أحد القضاة في قرار قضائي والحال أنه قد سبق له النظر في الموضوع ) وذلك في المادة الجزائية أي أنه رغم وحدة الأخطاء في المادتين فإنه يباح الطعن بالخطأ البين في المادة المدنية المرتبطة بمصالح خاصة ويحرم في المادة الجزائية رغم ارتباط الموضوع بمصالح عامة متعلقة أساسا بالحريات وبالحقوق المدنية وبالأمن وبحقوق الإنسان في مفهومها الكوني. إن القول بخلاف ذلك ينال من حقوق المتقاضين في المادة الجزائية ويهضم مصالح المتهمين الشرعية في المحاكمة الجزائية. وعلى هذا الأساس يمكن الاستنجاد بمجلة المرافعات المدنية والتجارية لمليء الفراغ بمجلة الإجراءات الجزائية.”

وتضيف المحكمة بأن مجلة المرافعات المدنية والتجارية لا تنفصل عن الجزائية بل انهما تتكاملان ذلك وأنه من الضرورة تحقيق الانسجام داخل النظام القضائي لأن ” مجلة المرافعات المدنية والتجارية ومجلة الاجراءات الجزائية لا تتكون منهما مجموعتان منفصلتان وأنه بات من الضروري عملا بوحدة القضاء المدني والجزائي وتحقيقا للانسجام داخل النظام القضائي أن يتم تدارك الفراغ الموجود في مجلة الاجراءات الجزائية وسدّه بالالتجاء الى مجلة المرافعات المدنية والتجارية قولا بأن فقه القضاء هو مصدر من مصادر التشريع وعلى القاضي في حالة الفراغ القانوني أن يعتمد على كامل المنظومة القضائية بما في ذلك المبادئ العامة لاستنباط الحلول المناسبة لإقرارها عدالة متكاملة .”

ونتساءل بناءا على ما سبق هل أن العدالة  المتكاملة كما قررتها الدوائر المجتمعة تجيز الأخذ بالقوة القاهرة عند احتساب آجال الطعن وعند تقديم مستنداته ؟ أرى أن الجواب بنعم أقرب للصواب وتحقيق مُهمّ لمعيار العدالة المتكاملة وتجسيم لمعايير المحاكمة العادلة لمن له العذر الذي لم يتمكن من تجاوزه ولم يكن هو سببا في حصوله.

3/ضمانات المحاكمة العادلة

قد يستغرب البعض هذا الموقف من محكمة التعقيب حول إمكانية تطبيق نظرية القوة القاهرة لقبول الطعن خارج الأجل من طرف الشخص الذي يبرّر تخلفه عن ممارسة الطعن في الآجال نتيجة أحداث غير متوقعة بما يسمح بتمديد الأجل وتخويله تسجيل طعنه بصفة لاحقة. والحال أنه يحفظ الحقوق الأصلية للمتقاضي في عرض قضيته على محكمة من أعلى درجة والذي لا يجوز حرمانه منه لأسباب خارجة عنه ولا يمكنه تفاديها  .

 

الفقرة الثانية : من تطبيقات قبول القوة القاهرة في مادة الإجراءات المدنية والتجارية

يقدّر القاضي القوة القاهرة وجودا وعدما بحسب كل حالة بحالة (1) ونعرض بعض التطبيقات في  فقه القضاء بالنسبة لأجل الطعن (2) ونطرح اعتبار الوضع الصحي من القوة القاهرة التي تبرر تجاوز الآجال (3)

1: / تقدير وجود القوة القاهرة من طرف قاضي الأصل تحت رقابة محكمة التعقيب : الاجتهاد  حالة بحالة

يبقى تقدير شروط القوة القاهرة مسالة واقعية (أ) تحت رقابة محكمة التعقيب (ب) ونتساءل إن كان يصح العمل بعلم القاضي لتقدير وجود القوة القاهرة ؟ (ت)

أ/ تقدير الشروط هي مسالة واقعية

يجتهد قضاة الأصل في بيان وتحديد توفر شروط توفر القوة القاهرة من عدمه . وقد كنا بيّنا أن المشرع الفرنسي بمجلة المرافعات الفرنسية في باب الإستئناف  سمح بتفادي جزاء السقوط عند وجود القوة القاهرة التي تولى تقديرها القاضي – الفصل 910-3 من القانون – ومن بين الوضعيات التي يحصل فيها التنازع هي الصورة التي باتفاق الطرفين المتعاقدين مثلا يحصران نطاق القوة القاهرة . فهل يمكن حصر حالات القوة القاهرة باتفاق المتعاقدين ؟  منعت محكمة التعقيب مثل هذا الإتفاق . فقد بيّنت أنه ” وحيث من الثابت أن الطرفان حددا أجلا لإحضار رخصة الوالي وقد تم التمديد فيه ولم يقع القيام في الفسخ إلاّ بعد انقضاء مدة تناهز العشرة أشهر ولكن كل ذلك لا ينفي ولا يزيح التعلل بالقوة القاهرة والأمر الطارئ عملا بالفصل 283 م اع وهو ما أقرته عن صواب محكمة الحكم المطعون فيه ولكنها اعتبرت أن نطاق القوة القاهرة والأمر الطارئ ينحصر وفقا لكتب لفت النظر في حالات خاصة وهي حصريا غلق مصالح الدولة أو حصول ثورة أخرى او حصول زلزال او فيضانات دون طول  الاجراءات الادارية وبعقدها  وهو ما يطرح التساؤل حول الامكانية في حصر القوة القاهرة باتفاق الطرفين في حالات محدودة ولا يمكن العمل بحالات اخرى حتى وان توفرت شروطها .”

“وحيث أن القوة القاهرة يضبطها القانون من خلال تعريفها ومن خلال بيان حالتها وخلافا لما انتهجته محكمة القرا ر المنتقد فان حصرها في حالات محدودة بإتفاق الطرفين يمثل  خرقا لأحكام الفصل 283 م اع وتكون محكمة الموضوع مجانبة للصواب حين حصرت القوة القاهرة في الحالات التي حددها اتفاق الطرفين ورتبت على ذلك قضائها مما عرض حكمها للنقض .”

ب/: رقابة محكمة التعقيب

تحصر محكمة التعقيب مثلا القوة القاهرة في الحالات التي تمر فيها المؤسسة بوضعية متأزمة من شأنها أن تهدّد نشاطها وديمومتها، وبشرط أن تكون تلك الأسباب خارجة تماما عن إرادة صاحب المؤسسة وإختياراته في تسييرها، بحيث لا يتسنى إجتناب آثارها رغم ما بذله من مجهودات في درئها [28].   وتستبعد المخاطر المتوقعة لكل نشاط مهني، فهي مرتبطة بالنشاط الذي تقوم به المؤسسة، في حين أن القوة القاهرة تنطبق على كل واقعة يستحيل توقعها ، ودفعها ، وكانت من حيث مصدرها أجنبية عن إرادة من يتمسك بها.

ومن جهتها إعتبرت الدوائر المجتمعة “أن الصعوبة الإقتصادية المؤدية إلى تخفيض نشاط المؤسسة أو غلقها لا تعد في حد ذاتها قوة قاهرة ضرورة أن تلك الصعوبات قد تكون متوقعة…[29].  وفي قرار مُميّز من حيث خصوصيته أقرت محكمة التعقيب أن الإنكماش الذي يعيشه الإقتصاد العالمي وتقهقر السياح الوافدين على المنطقة وتنامي المزاحمة ببعث نزل جديدة على فرض صحته ليس من الأسباب التي لا يمكن درؤها ولا يعد تبعا لذلك من قبيل الأسباب الحقيقية والجدية المبررة لغلق المؤسسة وطرد العملة لظروف إقتصادية[30].  وباعتبارها مسالة قانونية فإنها تخضع لرقابة محكمة التعقيب .

وقد أكدت محكمة التعقيب صراحة أن الثورة تُولّد صعوبات إقتصادية تتعثّر معها كل حركة إقتصادية   ويتعين التدخل لتفادي عواقبها . فبمناسبة النظر في مطلب تسوية يتعلّق بمؤسسة سياحية إعتبرت أن الثورة وما تبعها من إنعكاسات أثّرت سلبا على مردودية المؤسسات السياحية . وأنه من واجب المحكمة والمتصرف القضائي أخذ هذه المعطيات بعين الإعتبار دون التركيز فقط على المديونية. وبيّنت أنه من الواجب النظر في إمكانية تخفيف المديونية سواء بالحط من الفوائض أو حذفها تماما ، والتقليص من مواطن الشغل[31]. كما أضافت في قرار آخر[32] صبغة القوة القاهرة ونقضت قرار محكمة الإستئناف الذي لم يعتبرها كذلك . وبينت أنه  ” من المعلوم أن تلك الأحداث  نجمت عن الثورة التي شهدتها البلاد والتي تعد حادثة مفاجأة  قد تكون عنيفة وتنهي العمل بجميع المؤسسات الدستورية  الحكومية وتقطع مع النظام القانوني القديم وهو ما ينعكس على الأوضاع  الاقتصادية فتتعطل  ولو بصفة مؤقتة المؤسسات الإقتصادية بموجب انعدام الأمن العام وتعدد الإعتصامات  المطلبية وتوقيف النشاط الاقتصادي ويعد ذلك  من الآثار الطبيعية للثورة التي لا يمكن لأي طرف أن  يتوقعها أو يتجنبها فتكون بمثابة القوة القاهرة التي يتعذر معها الوفاء بالالتزامات  التعاقدية  واتضح من أسانيد الحكم المطعون فيه أن محكمة الموضوع لم تتمحص المؤيدات المظروفة بالملف من المعقب الآن من تحذيرات صادرة عن سفارات أجنبية بعدم التوجه  إلى تونس وإلى الجنوب بصفة خاصة وإعلان الصحراء منطقة عسكرية مغلقة ولم تتبين مدى تأثيرها على إمكانية مواصلة الطاعنة لنشاطها السياحي من عدمه مما أورث قضائها  ضعفا في التعليل وخرقا للقانون موجبا للنقض.”

ويختلف هذا التوجه عن الموقف الذي سبق بيانه في القرار عدد 5906 [33] الذي أكدت فيه أن قطاع السياحة شهد تقلصا في النشاط نتيجة   ” عزوف السياح عن بلدان الربيع العربي وهو ما أثر سلبا على مردودية المؤسسات السياحية. وهو خارج عن إرادة المسؤولين وكل الأطراف الفاعلة في الميدان ” . ولكن لا بد من التوضيح أن الثورة وإن كانت من الأحداث المؤثرة حقيقة في الوضع الإقتصادي فإنها  لا تؤخذ على إطلاقها كمبرّر جدي للصعوبات، وإنما يجب أن تتبين إنعكاساتها على المؤسسة طالبة التسوية. فإذا لم يكن لها تأثير على تواصل النشاط أوعلى الوضع المالي للمؤسسة، فإنه لا يُعتدّ بها كسبب جدّي للصعوبات .

ويخضع تقدير القوة القاهرة هكذا لقاضي الأصل. أي أنها مسألة اجتهادية. ولا نجد مبررا للقوة القاهرة في قبول الطعن خارج الآجال سوى أن الأحكام الجزائية تمس بالحريات العامة وأنه من الأفضل تمكين المحكوم ضده من عرض قضيته على محكمة من أعلى درجة وأنه لا مانع من إسعافه بالقوة القاهرة لتجنب رفض طعنه شكلا.

ومن بين الصور التي اعتبرها فقه القضاء من القوة القاهرة هو تعطيل العمل فجأة. فقد اعتبرت محكمة التعقيب [34]أن تمديد السلطة لعيد المولد النبوي الشريف بيوم إضافي بما نتج عنه تعطل العمل في اليوم الذي يوافق آخر أجل للطعن يشكل قوة قاهرة ومنه نقضت قرار محكمة الاستئناف الذي قضى بخلاف ذلك .

ت/ هل يصح العمل بعلم القاضي لتقدير وجود القوة القاهرة ؟

يتبيّن موقف  فقه القضاء في إثبات القوة القاهرة من خلال علم القاضي فيما ورد  بالقرار التعقيبي مدني عدد 2016/36118 [35]حول إثبات القوة القاهرة والعلم بها من طرف القاضي . فقد تضمن القرار أنه ” و حيث ومن جهة أخرى فان ما عللت به محكمة الموضوع حكمها بكون أعمال التخريب و النهب لم تحصل في الظروف العادية و انما كان بمناسبة الثورة الشعبية و ما استتبعها من أحداث شغب و هي من الأمور المعلومة بالضرورة لدى العموم  لا يعتبر من قبيل حكم القاضي بعلمه الشخصي المحظور قانونا طبق الفصل 23 من القانون الأساسي للقضاة طالما ان تلك الوقائع  ليست وقائع خاصة و كان العلم بها  مقصورا على المحكمة التي اصدرته وإنما هي وقائع رسمية و معلومة لدى الكافة و قد استدل القرار المطعون فيه على صبغتها الرسمية بقرار وزير المالية المؤرخ في 2 ماي 2011 و المرسوم عدد 40 لسنة 2011   الذي لا خلاف حول تضمنهما بان الاحداث الواقعة في الفترة من 17 ديسمبر 2011 إلى 31 جانفي 2012 توصف بالاضطرابات والمظاهرات و التحركات الشعبية .”

فالأصل في الأمور أنه ليس للقاضي المدني سلطة في تعديل وقائع النزاع وإضافة وقائع جديدة إليها . ومنه ليس له النظر في النزاع المطروح عليه أن يستند لمعلوماته الشخصية و” إن فعل ذلك يكون عمله باطلا ، إذ يكون قد جمع في شخصه بين صفة الشاهد وصفة القاضي “[36].

 

ويمكنه خلافا لذلك أن يستند الى العلم المشهور بواقعة معيّنة fait notaire ويقصد بها الوقائع التي ” لها قدر من الشهرة يسمح للشخص العادي بوسائل المعرفة المتاحة لديه ،أيا كانت ، أن يكون على علم بها ” [37] وعليه يفترض علم القاضي بها . ودون الإعتماد على الشائع لدى الجمهور الذي يشترك فيه القاضي مع عموم الناس . فذلك البحث ان كان علم القاضي يصلح سندا  للأحكام بوجه عام  ولتأسيس الائتمان بوجه خاص . وقد سبق لمحكمة التعقيب أن بيّنت المقصود بعلم القاضي [38]. قولا ” و حيث ان المقصود بالعلم القضائي الذي يجوز للقاضي ان يستند اليه في حكمه يتعلق بالوقائع العامة التي تكون معلومة من الجميع وتأخذها المحكمة لصبغتها العامة والتي لا تبني على العلم الشخصي للقاضي .وهذه الوقائع  العامة لا تحتاج فيها  المحكمة الى البينة لاثباتها وهي من المسائل الهامة المؤثرة في النزاع ،لان القضاء بعلم القاضي يهدر حق الاطراف  في مناقشة الادلة والحجج و لذلك وجب التحري والاستعانة باي جهة رسمية او الرجوع الى أي مرجع مناسب او أي وثيقة لأخذ العلم القضائي لان العمل بالشائع لا  يصون هيبة القضاء فالعمل بالشائع يختلف من زمان الى اخر ومن مكان الى اخر.ولا يتنزل منزلة اليقين الذي تبنى عليه الاحكام.” وقد نقضت محكمة التعقيب القرار الإستئنافي الذي أسس الائتمان على فساد مصدر مكاسب الطاعن بناءا على الشائع لدى جمهور الناس واعتبرت ” أن محكمة الحكم المطعون فيه أساءت توظيف العلم العام في قضائها بما يتجه معه نقض قرارها من هذه الناحية . ”

2: بعض التطبيقات في  فقه القضاء في شكليات الطعن

نتعرض لمسالة عدم التقيّد بأجل الطعن (أ) وبالنسبة لتقديم مستندات الطعن (ب) وإضافة نسخة القرار المطعون فيه (ت) ونطرح التساؤل في بعض المسائل الأخرى (ث)

أ/ : بالنسبة لعدم التقيد بأجل الطعن

هل يمكن التمسك بأحكام القوة القاهرة في تجاوز أجل الطعن بالتعقيب في قانون المرافعات المدنية والتجارية ؟ كان الجواب المبدئي أعلاه بالنفي. وربما يكون من الوجيه الأخذ بمفعول القوة القاهرة فهي تحول عند حدوثها ممارسة الحقوق الإجرائية. ومنها ممارسة الطعن.  وفي كل هذا يجب أن يكون الحدث مصدر القوة القاهرة خارجا عن إرادة الطاعن ، ولم يكن هو الذي تسبب فيه . فلا يمكنه الانتفاع بخطئه. وأما إذا كان الأمر خارجا عنه ولا يمكنه تجاوزه فلا معنى لمؤاخذته ومعاقبته بالقول أنه لم يحترم الأجل.

وقد كانت بيّنت محكمة التعقيب [39]” حيث من المتعين التأكيد ابتداء على أنه ولئن لم تتعرض  احكام مجلة الإجراءات المدنية والتجارية  لمؤسسة  القوة القاهرة في الاجراءات  المدنية  المتعلقة بالطعون في الاحكام والقرارات ولم تجعلها من الاسباب التي يمكن للخصوم الاحتجاج بها لدى المحاكم العدلية وذلك على خلاف مادة الإجراءات الجزائية – بالفصلين   213  م ا ج بالنسبة لأجل الاستئناف و262 بالنسبة لأجل التعقيب – الا ان طبيعة مؤسسة القوة القاهرة – باعتبارها  وسيلة قانونية هامة تتمثل  حسبما  هو مسلم به قانونا وفقها وقضاء  في ظرف استثنائي يمكن ان يشمل جميع الوقائع أو الظروف الاستثنائية الخارجة عن السيطرة والتي لم يكن بالإمكان الاحتراز منها أو تجنبها أو تلافيها بصورة معقولة – تسمح بالقول بإمكانية إعمالها في كافة فروع القانون ومن ذلك احكام الإجراءات المدنية متى ثبتت شروطها من قبل المتمسك بها ”

وقد أضفت المحكمة على أحداث الثورة صبغة القوة القاهرة . فقد تضمن القرار عدد 2014/20753 مؤرخ في 2/11/2015 (غير منشور)  “…حال أنه  من المعلوم أن تلك الأحداث  نجمت عن الثورة التي شهدتها البلاد  والتي تعد حادثة مفاجأة  قد تكون عنيفة وتنهي العمل بجميع المؤسسات الدستورية  الحكومية وتقطع مع النظام القانوني القديم وهو ما ينعكس على الأوضاع  الاقتصادية فتتعطل  ولو بصفة مؤقتة المؤسسات الإقتصادية بموجب انعدام الأمن العام وتعدد الإعتصامات  المطلبية وتوقيف النشاط الاقتصادي ويعد ذلك  من الآثار الطبيعية للثورة التي لا يمكن لأي طرف أن  يتوقعها أو يتجنبها فتكون بمثابة القوة القاهرة التي يتعذر معها الوفاء بالالتزامات  التعاقدية  واتضح من أسانيد الحكم المطعون فيه أن محكمة الموضوع لم تتفحص المؤيدات المظروفة بالملف من المعقب الآن من تحذيرات صادرة عن سفارات أجنبية بعدم التوجه  إلى تونس وإلى الجنوب بصفة خاصة وإعلان الصحراء منطقة عسكرية مغلقة ولم تتبين مدى تأثيرها على إمكانية مواصلة الطاعنة لنشاطها السياحي من عدمه مما أورث قضائها  ضعفا في التعليل وخرقا للقانون موجبا للنقض.”

ومن جهتها استعملت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب مصطلح القوة القاهرة [40] لتبرير تجاوز أجل الطعن . فقد ورد بالقرار عدد 152 وبغيره [41]وأنه تتعطل خلال العطل الرسمية عمل سائر المحاكم والمصالح الإدارية للدولة مما يستحيل معه القيام بأي إجراء أو عمل قضائي في ذلك اليوم . وهو مانع قانوني ، وقد ” اقتضى الفصلان 141 في فقرته الخامسة و 195 في فقرته الثانية من م م م ت أنه إذا كان اليوم الأخير يوم عطلة رسمية امتد الأجل إلى اليوم الموالي لانتهاء العطلة كما اعتبر الفصل 393 من م ا ع عطلة المجالس القضائية بمثابة القوة القاهرة. . وقد ألغت تبعا لذلك قرار الدائرة الذي رفض الطعن شكلا بعلة أنه تم تقديم المؤيدات خارج الأجل .

ب/ بالنسبة لتقديم مستندات الطعن

ولّدت الأحداث والاضطرابات وحظر التجول الذي حدثت بتونس في الفترة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 في تعطل بعض المتقاضين في متابعة قضاياهم والاستجابة لما تقتضيه الإجراءات وخاصة فيما يتعلق بإجراءات الطعن . وقد طرح على محكمة التعقيب إشكال في الموضوع تتمثل وقائعه في أن أحد الطاعنين بالتعقيب في حكم مدني لم يقدم الوثائق المنصوص عليها بالفصل 185 من م م م ت في أجل الثلاثين يوما. وقدم تلك الوثائق خارج الأجل المذكور. وقد رفضت الدائرة التعقيبية المتعهدة بالموضوع الطعن شكلا وطبقت الفصلين 13 و185 من م م م ت [42] رغم أنه أثار لها التعذر واستحالة التنقل في أيام 14 و15  جانفي 2011 تبعا لأحداث الثورة من الجنوب إلى تونس العاصمة وقدّم أيضا شهادة من إدارة البريد تفيد أيضا أنه استحال عليه توجيه الوثائق عبر البريد لأن مصالحه لم تعمل لبضعة أيام . ويتجه هذا القرار في نفس فكرة الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب التي سبق لها أن أيدت قرار رفض الطعن شكلا لعدم تقديم أصل محضر تبليغ مستندات التعقيب وبطاقة الإعلام بالبلوغ في أجل الفصل 185 من م مم ت رغم أن الطاعنين كانوا أضافوا صورة من مستندات الطعن ومن محضر التبليغ . فقد تبّنت الدوائر [43] القول بأن ” وحيث أن القيام بالإجراء بعد فوات الآجال التي حدّدها القانون للقيام به يضاهي عدم القيام بالإجراء أصلا …”

ومن الممكن القول بأن القرار الأخير قد بالغ في الشكليات إلى درجة تضيع معها الحقوق في عرض المسالة القانونية الأصلية على محكمة التعقيب . فالإجراء ليس غاية في حدّ ذاته . وقد كان قدّم الطاعنون في القضية أعلاه ما يفيد القيام بإجراءات التبليغ وأن تقديم صورة من المحاضر الدالة على ذلك في الأجل مع إضافة الأصل بعد ذلك لا يعدّ خرقا للقانون فالنسخة التي لا ينازع فيها أطراف القضية تقوم مقام الأصل وفقا لما يقتضيه الفصل 470 من م ا ع [44]زيادة عن كون المسالة أصبحت بعد ثبوت التبليغ من متعلقات مصالح الخصوم ولا موجب لتسليط الجزاء طالما أنه تمت إضافة الأصول ولم يثبت أي ضرر من ذلك زيادة عن إمكانية نسبة التأخير لأسباب خارجة عن فعل الطاعن .

وقد كانت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب [45] صرّحت أنه ” طالما لم يثبت أن عدم تقديم المستندات في الأجل لم يكن بتقصير من الطاعن أو نتيجة خطأ ارتكبه حتّى يتحمل وزره بل لأسباب خارجة عن إرادته الخاصّة …” ويعني ذلك أنه كلما ثبتت الشروط فإنه يمكن الأخذ بالقوة القاهرة .  وفي هذا الاتجاه بيّنت المحكمة الاوربية لحقوق الإنسان أن تأخير العدل المنفذ في إتمام إجراءات التبليغ وغيره من المسائل الإجرائية المحمولة عليه يعتبر بالنسبة للمتقاضي – الطاعن – من القوة القاهرة التي تجيز التمديد في الآجال طالما وأنه كان يستحيل عليه تسجيل طعنه[46]

ت/ بالنسبة لإضافة نسخة القرار المطعون فيه

يُرتّب الفصلان 134 و185 من م م م ت سقوط الطعن إذا لم يقدم الطاعن نسخة القرار المطعون فيه . وهو الجزاء الإجرائي الذي رتّبه المشرع صراحة . إذ يجب على الطاعن أن يُقدّم نسخة الحكم الابتدائي المطعون فيه أمام محكمة الإستئناف وفق الفقرة الأولى من الفصل 134 م م م ” يجب على المستأنف القيام بما يأتي : – استدعاء خصومه للجلسة ….ويكون الاستدعاء مصحوبا بنسخة من عريضة الطعن وبنظير من مستنداته التي على المستأنف تقديمها لكتابة المحكمة مع نسخة الحكم وما لديه من الوثائق …” ونص الفصل 185 من  جهته أنه “على الطاعن خلال أجل لا يتجاوز 30 يوما من تاريخ تقديم عريضة الطعن أن يقدم لكاتب المحكمـة ما يأتي وإلا سقط طعنه : أولا …:. ثانيا : نسخة من الحكم المطعون فيه مشفوعة بنسخة مجردة من الحكم الابتدائي إذا اقتصرت محكمـة الاستئناف على تبني أسباب هذا الحكم ولم تدرجها بقرارها.”

ونطرح التساؤل عن تطبيق الجزاء كلما استحال على الطاعن إضافة نسخة الحكم المطعون لسبب خارج عنه ؟ فهل يتحمّل الجزاء لأسباب خارجة عنه ؟ بيّنت الدوائر المجتمعة في القرار أعلاه أنه لا تزر وازرة وزر أخرى . وهي مسالة قانونية ومنطقية  تفيد أنه لا يسقط الإجراء وهو الطعن في صورة الحال عند توفر الإستحالة المادية . وقد اعتمدت محكمة التعقيب  [47] فكرة الإستحالة المادية ونقضت القرار الإستئنافي الذي رفض الإستئناف شكلا لعدم إضافة نسخة الحكم الإستعجالي المطعون فيه . وتتمثل الوقائع  في أن المستأنف تم إعلامه بالحكم الإستعجالي الذي قضى بالتنفيذ على المسودة وأضاف تلك المسودة التي تم إعلامه بها غير أن محكمة الطعن رفضت الإستئناف شكلا على أساس الفصل 134 من م م م ت . وقد أثارت الطاعنة أن عدم تقديم نسخة من الحكم المطعون فيه يخرج عن نطاقها ويرجع لمحكمة البداية التي “تباطأت في تلخيص الحكم ورقنه ” وقد استندت في ذلك إلى محضر العدل المنفذ الذي أجرى معاينة على الدفتر الخاص بمراقبة التلخيص والرقن وعاين أن نسخة الحكم غير جاهزة وهو السبب الذي على أساسه لم تقع إضافة الحكم الابتدائي . وقد اعتبرت محكمة التعقيب أنه ولئن ورد الفصل 134 من م م م ت بصيغة الوجوب فإنه لا يمنع من مراعاة “العذر الشرعي ” والأخذ به لعدم  “المسارعة ” في تسليط الجزاء .

وقد اعتمدت محكمة التعقيب على محضر المعاينة كحجة رسمية لتستخلص أنه “توجد استحالة مادية لا تتحمل الطاعنة تبعاتها ” وهو “عذرا شرعيا ” حال دون تقديم نسخة الحكم الإبتدائي ولذلك لا يمكن تحميل الطاعنة الجزاء حال أنها لم تكن مقصرة .

ث/ بعض المسائل الأخرى تطرح التساؤل حول اعتبارها من القوة القاهرة

نورد بعض الوضعيات على سبيل الذكر.

ث/1: هل أن بطء عمل الإدارة من القوة القاهرة ؟

ورد بالقرار التعقيبي مدني عدد 2015/30994 مؤرخ في 16/6/2016 (غير منشور) أنه “.. وحيث وخلافا لما ورد بالمطعن فقد أسست محكمة الحكم المطعون فيه قرارها على أساس تجاوز الأجل المعين لإحضار رخصة الوالي من طرف الطاعن وعلى اساس أن طول الاجراءات الادارية وتعقدها ليس من القوة القاهرة…”

كما ورد بقرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب [48]. في أنه لا يجوز تحميل الطاعن وزر أسباب خارجة عنه ذلك أن التأخير في تقديم المستندات لم يكن بتقصير من الطاعن أو نتيجة خطأ ارتكبه حتّى يتحمل وزره بل لأسباب خارجة عن إرادته الخاصّة. ومنها تعطل المجلس القضائية على قول الدوائر المجتمعة .

ونورد في نفس الإطار أيضا مسالة عدم توفر الإمكانيات البشرية والمادية في المحكمة . فهل يبرر ذلك تجاوز الآجال التي يقرّرها المشرع للفصل في القضايا [49]. وفي طعن يتعلق بخرق المحكمة لآجال المقررة لاتخاذ القرارات الواجبة في ملف تسوية قضائية يتضمن أن الحكم المطعون فيه ” خرق الفصل 22 من القانون المؤرخ في 17-4-1995 بمقولة أن هذا الفصل أوجب على رئيس المحكمة احترام أجل شهر من تاريخ تقديم مطلب التسوية القضائية لتسمية القاضي المراقب والخبير كما أن القاضي المراقب مطالب بالإدلاء بنتيجة أعماله في أجل شهر من تاريخ تعيينه ويمكن له التمديد شهرا آخر بقرار من رئيس المحكمة .بينما في قضية الحال قدم المطلب في 27-12-1995 ولم يقع تعيين القاضي المراقب إلا بتاريخ 12-12-1996 وهذه الآجال تهم النظام العام .”

وقد وضّحت محكمة التعقيب [50]ردّا عن ذلك بأن إتمام الإجراءات يتوقف على توفر الإمكانيات المادية والبشرية قولا ” حيث ولئن اقتضى الفصل 22 من القانون عدد 34 المؤرخ في 17-4-1995 المتعلق بانقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية انه من المحتم على رئيس المحكمة الابتدائية التي يوجب بدائرتها مقر المدين ان يعين قاضيا مراقبا يعهد اليه الملف وكذلك خبيرا ان اتضح ان طلب التسوية القضائية المقدم النهائي من قبل المدين كان وجيها وذلك في ظرف شهر من تاريخ تقديم المطلب وذلك لتقصي حقيقة الوضع الاقتصادي والمالي للمؤسسة والإمكانيات مساعدتها إلا ان ذلك الفصل لم يرتب جزاء في صورة ما اذا كان تعيين القاضي المراقب من قبل رئيس المحكمة واقعا بعد ذلك الاجل ولا يكون التعيين باطلا بل ان الاجل المذكور وان كانت غاية المشرع منه حث المحكمة على الاسراع في البحث عن الوضع الاقتصادي للمؤسسة إلا ان هذا الاسراع يتوقف على مدى توفر الامكانيات البشرية والمادية للمحكمة حتى تنجز المطلوب في الاجل السالف الذكر.وبذلك يكون هذا المطعن في غير طريقه وتعين رده .” ولا نشاطر هذا التبرير لأنه تبرير واقعي وكان من الممكن للمحكمة أن تجيب عن الطعن من خلال طبيعة الأجل .فهو أجل استنهاضي / استحثاثي لا يستهدف سوى تقليص آجال الفصل في المسالة المعروضة على القاضي لتعلقها بمسائل اقتصادية واجتماعية يكون لتأجير النظر فيها أثرا سلبيا .

وقد سبق لمحكمة التعقيب أن أبدت موقفها في تقاعس الإدارة عن القيام بما هو منوط بعهدتها وترددت في اعتبار ذلك من القوة القاهرة . وذلك في ميدان القانون الإجتماعي . فالمعلوم أنه عند رغبة المؤجر إنهاء بعض عقود الشغل لأسباب اقتصادية أو فنيّة أن يعرض المسالة على مصالح الشغل بوزارة الشؤون الإجتماعية ويكون العرض على لجنة مراقبة الطرد للبت فيه  إذا لم يتوصل المتفقد إلى الاتفاق حول الطرد أو إذا تعلق الطرد بأجراء ناهزوا الخمسين من العمر و اللذين هم مؤهلون للإحالة على التقاعد المبكر.

وقد تعرض فقه قضاء محكمة التعقيب إلى مسائل هامة بشأن هذا الإجراء تتعلق “بتقاعس التفقدية” أو لجنة مراقبة الطرد عن إتمام الإجراءات التوفيقية والإدارية. و قد اتخذت محكمة التعقيب في ذلك ثلاث مواقف [51]:

1) في قرارات صدرت قبل تنقيح مجلة الشغل في 15 جويلية 1996 اعتبرت محكمة التعقيب أنّ الموقف السلبي لتفقدية الشغل لا يعتبر من حالات القوة القاهرة  و اعتبرت الطرد بناءا عليه يكتسي بالضرورة صبغة تعسفية[52].

2) في قرارات أخرى سايرت التوجه التشريعي في ضبط آجال التوفيق والمصالحة وترتيب النتائج عن ذلك فتفقدية الشغل و بموجب أحكام الفصل 21 -3 أصبحت مدعوة إلى السعي في الصلح في أجل خمسة عشر يوما و في صورة الفشل فإنّها تحيل ملف الطرد إلى لجنة مراقبة الطرد لاتخاذ الرأي فيه و لذلك اعتبرت أنّ واجب المؤجر ينحصر في واجب الإعلام عند إعتزامه الطرد لأسباب اقتصادية و نتيجة ذلك حمّلت الإدارة مسؤولية التقاعس عن إجراء المصالحة و أضفت الصبغة الشرعية للطرد إذ جاء بقرارها عـ2001/11985ـدد في 28/02/2002[53]” فإنّه لم يبق من موجب لتحميله (المؤجر) تبعية تقاعس متفقد الشغل عـن تحريك الإجراءات المحمولة عليه قانونا و المترتبة عـن ذلك الإعلام و طالما ثبت أنّه أمسك عن عرض ملف الطرد أو الإيقاف عن العمل على اللجنة المختصة فإنّ ذلك يشكل حتما قوة قاهرة بجانب المعقب حالت دون حصوله على رأي اللجنة الجهوية لمراقبة الطرد.”

3) اتخذت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب ولاعتبارات قانونية و اجتماعية  موقفا معتدلا فاعتبرت  [54] أنّ “عدم ابداء لجنة مراقبة الطرد لرأيها في الأجل المحدد قانونا لا يمثل قوة قاهرة إلاّ متى توفرت شروطها…”

 

ث/2 :هل أن الإضراب الذي يتعذر معه تسجيل مطلب التعقيب أو مطلب الإستئناف يعد من القوة القاهرة .؟

بيّنا أن محكمة التعقيب الفرنسية لا تعتبر الإضراب من القوة القاهرة في مادة الإجراءات بما يجيز قبول الطعن خارج الأجل .ولكنها في جانب آخر اعتبرت أنه من القوة القاهرة بالنسبة للطاعن الذي تقدم لكتابة المحكمة لتسجيل مطلب الطعن وكانت شبابيك الكتابة مغلقة والحال أن وقت العمل لا زال لم ينقض بعد . فقد اعتبرت أن ذلك من القوة القاهرة التي تجيز تسجيل الطعن في اليوم الموالي بعد أن تمت معاينة الغلق بواسطة العدل المنفذ . وقد استعملت محكمة التعقيب مصطلحا ملفتا لقبول الطعن في اليوم الموالي إذ اعتبرت أن الحضور في يوم الأجل وفي توقيت العمل دون التمكن من تسجيل المطلب لأن الكتابة مغلقة هو تعبير عن الطعن الذي لم يتم تسجيمه اجرائيا « Appel sans forme » [55]

يجوز الاستئناس بالقرار أعلاه فكلما تعطلت المجالس القضائية بمرافقها بما يحول دون تسجيل مطالب الطعن في آجالها أو إيداع المستندات فإنه لا مانع من الإعتداد بالقوة القاهرة من طرف الطاعن لتفادي جزاء سقوط الطعن .ويجد هذا الموقف سنده في الفصل 393 من م ا ع  الذي تضمن الصور التي لا محل لسقوط الدعوى بمرور الزمن فيها ومنها الصورة الخامسة التي نصّت على تعطل عمل المحاكم قولا ” في حالة حصول عذر للدائن عاقه عن القيام بحقوقه أثناء المدة المحدّدة لسقوط الدعوى لتعطل المحاكم في تلك المدة أو سبب آخر لا قدرة له على دفعه. ”

وما ليس له قدرة على دفعه هي القوة القاهرة . وتعني الدعوى حق الإلتجاء إلى القضاء أو هي طلب وأخذ حق من آخر في حضور القاضي .

ومن جهة فقه القضاء المقارن لم يقع استبعاد المبدأ من طرف محكمة التعقيب الفرنسية[56] غير أنها تتحفظ كثيرا في تطبيق المبدأ . فهي مثلا لا تعتبر الإضراب من القوة القاهرة[57] و تتخذ محكمة التعقيب الفرنسية ضمنيا – حسبما توصلنا إليه من مواقف قضائية – القوة القاهرة كسبب يزيح تطبيق جزاء السقوط . ونتحدّث عن  « Relevé de déchéance » [58]أي أن محكمة التعقيب الفرنسية لا تقبل تطبيق جزاء السقوط لخرق الآجال إلاّ بصفة ضيقة جدّا . وتعتبر أن التأخير لدى مصالح البريد لا يمكن أن يكون من القوة القاهرة.

« Ne constitue pas un événement de force majeure un retard ou une erreur de transmission du courrier »    [59]

3/ المرض والقوة القاهرة

نتحدث عن المرض الفيروسي المعدي (أ) واختلافه عن المرض العادي (ب)

أ/ أثر المرض الوبائي

يترتب عن المرض الخطير على الشخص وعلى باقي أفراد المجتمع وجوب إخضاع المريض و المشتبه فيه في العزل الإتقائي . بما يعني أنه لا يربط الإتصال مع أي شخص خلال مدة من الزمن تحت طائلة العقوبات الجزائية على معى الفصول 312 و315 من المجلة الجزائية .  وقد يؤول الأمر نظر للخطورة وانتشار المرض وتوسعه كما هو في “كوفيد 19” – كما تم ذكره – الى تطبيق مقتضيات الأمر عدد50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ تفاديا لما قد يحدث من كوارث من تجمع الاشخاص .ونه يوضع المريض أو المشتبه به قيد الإقامة الجبرية لفترة معينة .

وأمام هذه الوضعية الجارية حاليا في تونس اعتبر المجلس الأعلى للقضاء والهيئة الوطنية للمحامين أن الوضع الصحّي بالبلاد يمثل قوة قاهرة  بما يعني أنه من العوامل المبرئة لكل التزام

وهذه الإضافة “التشريعيّة ” من مذكرة المجلس الأعلى للقضاء ومن بيان الهيئة الوطنية للمحامين نطرح السؤال إن كان هذا من التراتيب ذات الصبغة التشريعيّة . فالمجلس الأعلى للقضاء من خلال الفصل 114 من الدستور التونسي لسنة 2014 يضمن حسن سير القضاء وطبقا أيضا لما يؤكده الفصل الاول من القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء في أنه مؤسسة دستورية ضامنة في نطاق صلاحياتها حسن سير القضاء . وهو بهذه الصيغة مؤسسة دستورية . ولذا من سلطته الترتيبية إدارة المرفق العام للعدالة في حدود صلاحياته دون أن يسطو على صلاحيات السلطة التنفيذية و التشريعية . وإن كانت له الصلاحيات الترتيبية فهو لا يجوز له إضفاء التكييف القانوني على بعض المسائل القانونية الإجرائية خاصة . فليس له وكذا للهيئة الوطنية للمحامين اعتبار المرض من القوة القاهرة وأنه لا يترتب عن تجاوز الآجال اثر سقوط الإجراء .

وإن كنا نؤيد موقف المجلس وهيئة المحامين لواقعية الإجراء وسلامة المنطق فيه  فإننا نبحث له عن سند في القانون . فماذا لو تم الاحتجاج في المادة المدنية أمام محكمة الطعن بأنه حصل سواء في الإستئناف أو التعقيب أو الإعتراض خارج الأجل بموجب القوة القاهرة على أساس مذكرة المجلس أو بيان هيئة المحامين . فهل يعتد بذلك لقبوا الطعن الطعن ؟ يمكن أن نعتمد المذكرة والبيان على اساس معاينة واقع حقيقي ولمرض خطير يحد من تصرفات الشخص ويعيقه عن قضاء شؤونه . ويكون في المسالة جدية إذا اقترنت وضعية الشخص بالعزل الإتقائي وفق ما يقتضيه الفصل 3 من الامر الحكومي عدد 152 لسنة 2020.  ويجتهد القاضي في تقدير قبول الدفع بالقوة القاهرة على أساس المرض الخطير وانعكاسه على الشخص المريض وعلى غيره [60]. وهي مسالة منطقية لأن تقدير توفر معايير وشروط القوة القاهرة موكول لاجتهاد القاضي .

ب/ حالة المرض العادي

من المعلوم أن المرض العادي لا يعيق مطلقا المريض عن قضاء شؤونه والتفصّي من التزاماته. تعتبر محكمة التعقيب الفرنسية  أن مرض الطاعن الذي استوجب الإقامة خارج البلاد الفرنسية لا يمكن أن يُبرّر تجاوز آجال تقديم مطلب الطعن بالتعقيب ولا يعد من حالات القوة القاهرة

« L’état de santé du demandeur ayant nécessité un arrêt de travail  avec un séjour hors la France ne constitue  pas un cas de force majeure susceptible de justifier le non- respect du délai imparti pour se pourvoir en cassation »[61]

وقد بيّنت أيضا في المادة الجزائية أن ادّعاء المتضرر بأنه تأخر في قيامه على المسؤولية الخاصة  لأنه فقد الذاكرة لا يحول دون سقوط الدعوى العمومية المثارة ضد المتهم فهي لا تمثل قوة قاهرة يستحيل معها مباشرة الدعاوى وقد أيدت في ذلك موقف قضاة الأصل [62]. وبالرجوع إلى الأحكام المتعلقة بالاستئناف في قانون المرافعات الفرنسية نتبيّن أن المشرع يخفّض من صرامة الجزاء برد الطعن شكلا ويضفي عليه نوع من المرونة إذ يقبل صراحة تفعيل القوة لإزاحة رد الطعن من الناحية الشكلية لعدم احترام أجل الاستئناف ويعطي للقاضي تقدير وجود القوة القاهرة ومدى ثبوتها فهو يقرها من جهة المبدأ تحت رقابة القاضي. فقد تضمن الفصل 910/3 من القانون المذكور أنه

« En cas de force majeure, le président de la chambre ou le conseiller de la mise en état peut écarter l’application des sanctions prévues aux articles 905-2 et 908 à 911 »

بيّنت محكمة التعقيب البلجيكية [63] أنه إذا استحال ايداع مستندات الطعن بالتعقيب نتيجة حادث مرور تعرض له العدل المنفذ فإنه يمكن قبول الدفع بالقوة القاهرة لتفادي رد الطعن لأسباب شكلية . ويعتبر الفقه [64]أن الدفع بالقوة القاهرة لتبرير التأخير في تقديم مستندات الطعن غير مقبول مبدئيا إلاّ في حالات استثنائية ضيّقة جدّا أي بكل تضييق « avec la plus grande parcimonie » 

 

4/ ما يمكن استخلاصه

ولئن كانت النصوص واضحة في فهمها وغايتها في سقوط الطعن لعدم احترام الآجال ولكن تفعيلها أثار عدّة إشكاليات . فقد يؤول رد الطعن شكلا لسبب إجرائي ومنها عدم احترام الأجل إلى ضياع الحقوق الأصلية رغم كونها بيّنة والإضرار بأصحاب الحقوق حال أن مهمة القضاء هو حماية الحقوق ورد المغتصبة منها لأصحابها . وقد أدّى ذلك بمحكمة التعقيب إلى اعتبار أن الحق يعلو ولا يعلى عليه . وأنه إذا تعارضت القاعدة الإجرائية مع الحق وأصبحت تحول تأمينه بل إنها سبا في هدره فإنه يجب على القضاء وهو الحارس للحقوق أن لا تصدّه الإجراءات الشكلية عن تغليب جوهر الحق على الشكل  ذلك أن الغاية من تشريع الاجراءات هو إعلاء الحق [65]. وتجد الفكرة أساسها في أن الإجراءات ليست غاية في حدّ ذاتها وإنما هي السبيل الذي يتبعه المتقاضي لرفع دعواه أمام حكمة البداية أو الطعن فيما قضي به ضده أما م المحكمة الأعلى درجة . كما تجد الفكرة أساسها في أنه على القاضي إيصال الحقوق لأصحابها[66]. ومع الملاحظ بأن عديد القرارات التعقيبية بهاجس إعلاء الحق تطلب محاكم الأصل بالبحث والإستقراء  لكشف حقيقة النزاع والبحث عن مختلف الإيضاحات التي تساعد القاضي على فهم  النزاع وحسن الفصل فيه .[67] وتقر عند الإقتضاء باختصاصها بناءا على الضرورة .[68]

ونلاحظ من بعض مواقف محكمة التعقيب  نوع من التوجه نحو المرونة في تطبيق الجزاء في مسائل إجرائية منها ما يخص تطبيق الفصل 71 من م م  م ت بشأن زوال البطلان  فقد أجبت محكمة التعقيب [69] عن السؤال التالي : اذا اجاب المطلوب عن الدعوى في حدود الجانب الشكلي فقط رغم وجود خلل بالعريضة يتمثل في عدم تبليغ نسخة من مؤيدات الدعوى كاملة الى المطلوب فهل يعتبر الجواب في الشكل جوابا يزيل البطلان أم أن البطلان لا يزول إلا عند الجواب في الأصل ؟  وأجابت عن ذلك ” وحيث يهدف المشرع من خلال وجوب تبليغ مؤيدات الدعوى للمطلوب الى ضمان تمكين المطلوب من فهم الدعوى التي قد لا تتضح كاملة الا من خلال معرفة مؤيداتها ويضمن بموجب ذلك مواجهة عادلة قانونية لان الاجراءات ليست غاية في حد ذاتها وإنما ترمي الى تحقيق سير المحاكمة او الدعوى بصفة عادلة تضمن حقوق كل طرف في الدعوى وان عدم توفر هذه الضمانات يترتب عنه بطلان العريضة غير ان التشريع في الحقيقة لا يبحث في الشكليات في حد ذاتها باعتباره يصرح بزوال البطلان بالجواب عن الدعوى فالغاية من تبليغ المؤيدات هو الى جانب ضمانات الدعوى ومؤيداتها هو اعلام المطلوب ولذلك فان البحث من خلال هذا التنصيص يجب ان ينصب على حصول العلم بالدعوى ومؤيداتها من عدمه على اساس ان المشرع سمح من جهة بتلافي البطلان عند الجواب عن الدعوى اذا لم يتوصل المطلوب بالمؤيدات بما يعني انه يسمح بإمكانية تسوية الخلل وتلافي البطلان من خلال حضور المطلوب وتقديم جوابه عن الدعوى .”

وهو نفس التوجه الذي كانت اعتمدته أيضا بقرار صادر في سنة 2014 [70] الذي تبنّت فيه فكرة تصحيح الإجراء الناقص في تبليغ مؤيدات الدعوى قولا ” …أن الاجراءات  ليست  غاية  في حد ذاتها   وإنما  ترمي  الى  تحقيق  سير  المحاكمة   أو الدعوى   بصفة  عادلة  تضمن  حقوق  كل  طرف  في الدعوى   وأن عدم  توفر  هذه الضمانات   يترتب  عنه  بطلان  العريضة   غير  أن التشريع  في الحقيقة  لا  يبحث  في  الشكليات  في  حد ذاتها   باعتباره   يصرح  بزوال  البطلان  بالجواب  عن الدعوى  فالغاية  من تبليغ  المؤيدات  هو   الى   جانب  ضمانات  فهم  الدعوى  ومؤيداتها  هو  إعلام  المطلوب  ولذلك   فان البحث  من   خلال  هذا  التنصيص  يجب  أن ينصب  على  حصول  العلم  بالدعوى  ومؤيداتها   من  عدمه  على  أساس  أن  المشرع  سمح  من جهة  بتلافي  البطلان  عند  الجواب  عن الدعوى  إذا  لم  يتوصل  المطلوب   بالمؤيدات بما  يعني  انه  يسمح  بإمكانية  تسوية الخلل  وتلافي  البطلان  سواء  من خلال  حضور  المطلوب  وتقديم  جوابه  عن الدعوى  أو من خلال  سعي  المدعي إلى   تلافي  ذلك  بأن  يبلغ   للمطلوب  برقيم مستقل   باقي  مؤيدات  الدعوى  التي  لم  تبلغ  مع العريضة  الاصلية   ” ./.

 

والله ولي التوفيق

والسلام

المراجع:

 [1]  القانون عدد 71 لسنة 1992 مؤرخ في 27/7/1992 المنقح بالقانون عدد 7 لسنة 2007 مؤرخ في 12/2/2007. الرائد الرسمي عد14  في 16/2/2007. وقد ورد بالفصل 2 منه أنه ” يعتبر مرضا ساريا على معنى هذا القانون، كل مرض يعزى إلى عامل خمجي محدد أو إلى إفرازا ته السامة والذي يطرأ فجأة بسريان ذلك العامل أو إفرازاته من موضع معين إلى متلق سواء مباشرة بواسطة شخص أو حيوان مصابين أو بصورة غير مباشرة عن طريق تدخل وسيط حيواني أو نباتي أو ناقل أو من المحيط الخارجي. “
[2]  العزل الصحّي septique  Isolement  . هو فصل المصاب أو الشخص المشتبه في إصابته عن غيره من الأصحاء أو هو  الابتعاد الكلّي عن الأشخاص الأصحّاء لمنع انتشار المرض خلال فترة العدوى في أماكن وطبق ظروف صحية ملائمة بهدف للحيلولة دون انتقال العدوى منه إلى غيره .
ويهدف الى التوقي من انتشار الأمراض المعدية وانتشارها من مريض لآخر أو من مريض الى شخص آخر. ويأخذ العزل الصحّي أشكالا مختلفة فيكون المصاب في عزل تام عن الجميع ومنهم أفراد العائلة ولمدة معيّنة ومع أخذ كل الإحتياطات . ويستعمل العزل عادة في الامراض الفيروسية المعدية كما هو في “كوفيد 19” ولا يستهدف الحد من حرية الشخص وإنما لحماية عموم الأشخاص من الانتشار المتوقع للأمراض الفيروسية المخطرة والمعدية .
ويختلف العزل الصحّي عن الحجر الصحّي الذي يفيد تقييد أنشطة الأشخاص الأصحاء لفترة من الوقت حسب ما تحدده الجهات الطبية المتخصصة.
[3]  مذكرة المجلس الاعلى للقضاء بتاريخ 15 مار س 2020 حول التوقي من انتشار مرض covid 19 الناجم عن فيروس كورونا المستجد .
[4]  بيان الهيئة الوطنية للمحامين ، تونس 15 مارس 2020.
[5]  *الفصل 282 لا يلزم المدين بتعويض الخسارة إذا أثبت سببا غير منسوب إليه منعه من الوفاء أو أخره عنه كالقوة القاهرة والأمر الطارئ ومماطلة الدائن
.* الفصل 283 القوة القاهرة التي لا يتيسر معها الوفاء بالعقود هي كل ما لا يستطيع الإنسان دفعه كالحوادث الطبيعية من فيضان ماء وقلة أمطار وزوابع وحريق وجراد أو كغزو أجنبي أو فعل الأمير. ولا يعتبر السبب الممكن اجتنابه قوة قاهرة إلا إذا أثبت المدين أنه استعمل كل الحزم في درئه. وكذلك السبب الحادث من خطأ متقدم من المدين فإنه لا يعتبر قوة قاهرة.
[6]  يعني مصطلح الشكلية لغة المثال أو الشكل، والشكل في معناه العام هو ذلك العنصر الخارجي الذي يشترطه القانون إضافة إلى العناصر الأصلية في تكوين العقد. والشكلية هي حد لقاعدة الرضائية التي تعتبر الأصل في القانون الوضعي. أما الشكلية في معناها الضيق فهي وسيلة لتكوين العقد إذ تعبرعن الرضا وتبرزه للوجود الخارجي  . أما من الناحية الوظيفية فمفهوم الشكلية فيختلف حسب الغرض الذي وجدت من شكل، فقد تكون الشكلية وسيلة إثبات التصرف القانوني أو وسيلة احتجاج بالعقد إزاء الغير أو للرقابة الإدارية التي تسلطها الإدارة على بعض التصرفات القانونية أو شرط صحة. أما في معناها الواسع، فتفيد الشكلية إخضاع صحة التصرف القانوني أو فاعليته إزاء الأطراف أو الغير إلى ضرورة توفر شكلية معينة يقتضيها القانون، فالشكلية تفرض على الأشخاص احترام جميع موجبات الشكل لا لغاية ضمان صحة العقد فقط وإنما أيضا وخاصة لضمان نجاعته  .
[7]  سيتم التعرض للمراجع في الفقرات الاحقة .
[8] Frédéric Rouvière,  La distinction des délais de prescription, butoir et de forclusion, Petites Affiches 2009 n ° 52 p.7-11.
[9]  قرار تعقيبي مدني عدد 23311 المؤرخ في 17 جانفي 2009
[10]  يقودنا تناول مفهوم البطلان إلى طرح القاعدة الأصولية “لا بطلان بدون نص”. وهي من القواعد الكلية الفقهية مبناها أنه إذا بطل شيء بطل ما في ضمنه ، ومعناها بأن الشيء الذي ثبت ضمنا إذا بطل متضمّنه لا يبقى له الحكم .
[11]  قرار تعقيبي مدني عدد 48997.2017/49084/49086/48998 بتاريخ 22 فيفري 2018 (غير منشور)
[12]   الفصل 213 من م إ ج «يكون الاستئناف غير مقبول فيما عدا صورة القوة القاهرة إن لم يقع في أجل أقصاه عشرة أيام من تاريخ صدور الحكم الحضوري أو من تاريخ الإعلام بالحكم الذي اعتبر حضوريا على معنى الفقرة الأولى من الفصل 175 أو من تاريخ انقضاء أجل الاعتراض على الأحكام الغيابية أو من تاريخ الإعلام بالحكم الصادر برفض الاعتراض. ويرفع ذلك الأجل إلى ستين يوما بداية من تاريخ صدور الحكم بالنسبة لاستئناف الوكيل العام للجمهورية والمدعين العموميين لدى محاكم الاستئناف، وعليهم أن يعلموا بهذا الاستئناف خلال الأجل المذكور المتهمين والمسؤولين مدنيا وإلا سقط حقهم في الاستئناف.”
[13]  الفصل 262 –(نقحت الفقرة الأولى بالقانون عدد 26 لسنة 2007 المؤرخ في 7 ماي 2007 ( لا يقبل مطلب التعقيب فيما عدا صورة القوة القاهرة إذا لم يقدم إلى كتابة المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه في ظرف عشرة أيام من تاريخ الحكم الحضوري أو تاريخ الإعلام بالحكم المعتبر حضوريا على معنى الفقرة الأولى من الفصل 175 أو من تاريخ انقضاء أجل الاعتراض إذا كان الحكم غيابيا أو من تاريخ الإعلام بالحكم الصادر برفض الاعتراض. 56  ويرفع ذلك الأجل إلى ستين يوما بداية من تاريخ صدور الحكم بالنسبة لتعقيب وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب الواقع طبق شروط الفصل 258 وعليه أن يعلم بهذا الطعن خلال الأجل المذكور المتهمين والمسؤولين مدنيا وإلاّ سقط حقه في الطعن. وفي صورة الحكم بالإعدام يكون الأجل خمسة أيام فقط. ويجب أن يقع القيام بطلب تعقيب قرارات دائرة الاتّهام في ظرف أربعة أيام من تاريخ الإعلام أو حصول العلم بها. “
[14]  قرار تعقيبي جزائي عدد 11777 مؤرخ في 19 أفريل 1976 ، النشرية ، 1976 الجزء 2 ، الصفحة 116.
[15]  الفصل 262) -نقحت الفقرة الأولى بالقانون عدد 26 لسنة 2007 المؤرخ في 7 ماي 2007 ( لا يقبل مطلب التعقيب فيما عدا صورة القوة القاهرة إذا لم يقدم إلى كتابة المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه في ظرف عشرة أيام من تاريخ الحكم الحضوري أو تاريخ الإعلام بالحكم المعتبر حضوريا على معنى الفقرة الأولى من الفصل 175 أو من تاريخ انقضاء أجل الاعتراض إذا كان الحكم غيابيا أو من تاريخ الإعلام بالحكم الصادر برفض الاعتراض. 56 ويرفع ذلك  الأجل إلى ستين يوما بداية من تاريخ صدور الحكم بالنسبة لتعقيب وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب الواقع طبق شروط الفصل 258 وعليه أن يعلم بهذا الطعن خلال الأجل المذكور المتهمين والمسؤولين مدنيا وإلاّ سقط حقه في الطعن. وفي صورة الحكم بالإعدام يكون الأجل خمسة أيام فقط. ويجب أن يقع القيام بطلب تعقيب قرارات دائرة الاتّهام في ظرف أربعة أيام من تاريخ الإعلام أو حصول العلم بها. “
[16]  يمكن أن نتحدّث عن صعوبات أخرى ذات صبغة ماديّة صرفة كعدم توفر مقومات جودة الخدمات القضائية وارتفاع كلفة التقاضي  إلى الصعوبات ذات الصبغة القانونية وتتمل في التضخم التشريعي الذي لا يوفر الامن القضائي  إل جانب الطابع الشكلي لقوانين التنظيم القضائي .
[17]  ا الفصل من م م م م ت 185 ) نقح بالقانون عدد 54 لسنة 1967 المؤرخ في 8 ديسمبر 1967(  “على الطاعن خلال أجل لا يتجاوز 30 يوما من تاريخ تقديم عريضة الطعن أن يقدم لكاتب المحكمـة ما يأتي وإلا سقط طعنه : أولا : محضر إعلامه بالحكم المطعون فيه إن وقع إعلامه به. 40 ثانيا : نسخة من الحكم المطعون فيه مشفوعة بنسخة مجردة من الحكم الابتدائي إذا اقتصرت محكمـة الاستئناف على تبني أسباب هذا الحكم ولم تدرجها بقرارها. ثالثا : مذكرة من محاميه في بيان أسباب الطعن بصورة توضح ما طلب نقضه وكذاك تحديد مرمـاه مع ما له من المؤيدات. رابعا : نسخة من محضر إبلاغ خصومه نظيرا من تلك المذكرة بواسطة العدل المنفذ.”
[18]  بيّنت محكمة التعقيب بقرارها عدد 2013/9274 مؤرخ في 8/5/2014 (غير منشور)  وظيفة القاضي قولا “ذلك ان وظيفة القاضي تقوم على ثلاث عناصر اساسية عند البت في النزاع المعروض عليه . اولها يتعلق بفهم الوقائع وامضاء التكليف القانوني السليم عليها . وثانيها تحديد النص القانوني المنطبق دون التقيد بالفصل الذي يثيره الاطراف فان كان على هؤلاء اثبات الوقائع فان اثبات القانون من صلاحيات المحكمة . وثالثها تطبيق الحقيقة  القانونية على الحقيقة الواقعية والتصريح بالحكم اللازم في ذلك وهو ما جرى عليه محكمة الحكم المطعون فيه واتجه بذلك رد هذا المطعن . حيث خلافا لما ورد بهذا المطعن ايضا فان المحكمة لم تخالف مبدأ حياد القاضي لان حياد القاضي المدني يتمثل في عدم اتخاذه اية مباردة للبحث عن الحجج لصالح احد الطرفين والاكتفاء بما يقدمه الخصوم من ادلة واعتمادها دون غيرها بمعنى  لا يؤسس للقاضي اقتناعه الا على عناصر الاثبات التي ادلى بها الاطراف ف اثبات الوقائع وهو ما جرى عليه عمل المحكمة امام في المسائل القانونية فالمحكمة لها كامل الصلاحية في تأسيس رأيها على أي فصل قانوني تراه منطبقا على المسالة المطروحة عليها وهي تمارس بذلك صلاحياتها في تكييف النزاع ووضع اطارها القانوني وتستوفي مهمتها في تعليل وتأسيس حكمها”.
[19]  قرار تعقيبي مدني عدد 3784 مؤرخ في 11 مارس 1980، م ق ت عدد 5 لسنة 1980، الصفحة 127؛ نشر أيضا بالمجلة القانونية التونسية 1980، الصفحة 247 وأعيد نشره ب م ق ت 2009 عدد1، الصفحة 169.
[20]  محمد كمال شرف الدين، قانون مدني، النظرية العامة للقانون ، النظرية العامة للحقوق، مجمع الاطرش للكتاب المختص، الطبعة الثانية، الصفحة 215
[21]  من باب التعليق نقول بمثالية النزعة لكن يجب ألا يغيب عن القاضي كونه مقيّد بنصوص وضعية مكتوبة من واجبه تطبيقها. فالفصل 185 من م م م ت واضح في بيان الواجب في تقديم جملة من الوثائق وبيّن أيضا في ترتيب الجزاء عن الإخلال بالواجب وهي مسالة لا تستدعي اجتهادا أو بحثا في المرجعيات المثالية لتجاوز الحلول القانونية الوضعية البيّنة.
[22]  قرار تعقيبي مدني 2017/52107 مؤرخ في 12/10/2017 (غير منشور)
[23]  قرار تعقيبي مدني عدد 2013/15983 مؤرخ في 22/1/2015 (غير منشور)
[24]  قرار تعقيبي مدني عدد 2016/34763 مؤرخ في 5/1/2017 (غير منشور)
[25]  نورد على سبيل الذكر قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب عدد 2013/00323 مؤرخ في 25/2/2016(غير منشور) ” وحيث يتضح ان مستندات الطعن في دعوى الحال تم تبليغها للمطعون ضدهما الثانية والثالث على معنى احكام الفصل 8 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية وخلا ملف القضية من إضافة علامتي البلوغ المتعلقة بهما على نحو مقتضيات أحكام الفقرتين الثالثة والرابعة منه وما تستوجبه احكام الفقرة الخامسة من الفصل الثامن المذكور من الادلاء ببطاقة  الاعلام بالبلوغ والاجراءات  الأساسية  في التبليغ وفقا للفقرة الثانية من  الفصل 14 من م م م ت إذ يعتبر التبليغ بهذا النحو غير مكتمل الموجبات خاصة وأن المعقب ضدهم لم يحضروا ولم يردّوا عن الطعن “، ونورد أيضا في نفس التوجه القرار عدد 2017/56042 مؤرخ في 28/11/2018 (غير منشور)  الذي تضمّن أن بطاقة الاعلام بالبلوغ هي من متممات التليغ قولا ” وحيث وللتحقق من اتمام الاجراء المستوجب أولا وسلامته ثانيا فإن المشرع يوجب على طالب التبليغ الادلاء ببطاقة الاعلام بالبلوغ إلا إذا تعلق الأمر بقضية استعجالية أو تعذر الإدلاء بها. وحيث أن الاجراء المذكور يعد من الاجراءات التكميلية والمتممة للتبليغ وفي غيابها يكون التبليغ غير تام ..ويترتب عن ذلك سقوط طعنه شكلا عدى ما استثناه القانون.” وحيث يتضح أن مستندات الطعن في دعوى الحال تم تبليغها للمطعون ضده على معنى أحكام الفصل 8 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية وخلا ملف القضية من اضافة الجذر وعلامة البلوغ المتعلقة به على نحو مقتضيات احكام الفقرتين الثالثة والرابعة منه وما ستوجبه أحكام الفقرة الخامسة من الفصل الثامن المذكور من الادلاء ببطاقة الاعلام بالبلوغ والإجراءات الأساسية في التبليغ وفقا للفقرة الثانية من الفصل 14 من م م م ت إذ يعتبر التبليغ بهذا النحو غير مكتمل الموجبات خاصة وأن المعقب ضده لم يحضر ولم يرد عن الطعن بما يتجه معه رفض مطلب التعقيب شكلا.”
[26]  ونتساءل عن القيمة القانونية لإضافة بطاقة الإعلام بالبلوغ بالطور التعقيبي .فهل يترتب عن عدم إضافتها رفض الطعن شكلا ؟ يمكن أن نستعرض هنا فكرتين أولها يستند الى القراءة الحرفية  للفصل 8 من م م م ت  فهو واضح في وجوبيه إضافة بطاقة الإعلام بالبلوغ ولا يستثني إلاّ صورا محددة تمثل الاستثناء الذي لا يمكن التوسع فيه . والقول بخلاف ذلك لا يندرج في الاجتهاد السليم ” وبأنه اجتهاد في غير طريقه فيما يتعلّق بالقضايا غير الإستعجالية  ما لم يستظهر بأن التبليغ قد تم بصفة قانونية رغم عدم الإدلاء ببطاقة الاعلام البلوغ …[26]” وثانيها  يعتبر أنه من غير الوجيه رفض الطعن بالتعقيب شكلا لعدم إضافة بطاقة الإعلام بالبلوغ أو ما يفيد التعذر. ويستند أصحاب الرأي إلى الأسس التالية :
1/ فكرة الطعن بالتعقيب : فهذا الطعن لا يستهدف سوى إجراء رقابة على حسن تطبيق القانون من طرف محكمة الأصل . فخلال هذا الطور تتقيّد المحكمة في التحقق من مدى احترام الحكم المطعون فيه للقانون ومدى حصول وجود بعض صور الطعن بالتعقيب المنصوص عليها بالفصل 175 من م م ت .
ويعني ذلك أن الطعن بالتعقيب يدلّ على عدم رضاء الطاعن بالحكم لأسباب قانونية . و”خصمه ” هو الحكم المطعون فيه فهو لا يوجه طلبات ضد المعقب ضدّه في القيام بعمل أو أداء مال أو تعويض وإنما الطلب هو تسليط رقابة قانونية من المحكمة على الحكم المطعون فيه لطلب نقضه .
ويقصي الطعن بالتعقيب تبعا لذلك فكرة المواجهة التي تقوم على إعلام الخصم واستدعائه للجلسة لتقديم جوابه عن الدعوى والطلبات. فالطعن هو في القانون . ومنه لا معنى لوجود بطاقة الاعلام البلوغ من عدمه لان القاضي لدى التعقيب لا يستعمل التقنيات التي يستعملها قاضي الأصل . كما أن الطعن بالتعقيب لا يقوم على موقف المعقب ضدّه ومدى تقديمه الرد عن المطاعن من عدمه –لأنه لا معنى لمبدأ المواجهة في هذا الطعن – فنظر محكمة التعقيب لا ينصب على الوقائع وتبادل الملاحظات بين الطرفين بل ينصب على المطاعن ومدى قانونية وتطابق المخالفات المنسوبة للقرار المطعون فيه مع صور الطعن الواردة بالفصل 175 من م م م ت .
وليس على قاضي التعقيب سوى التحقق من صحة تبليغ مستندات الطعن بالتعقيب في المقر الصحيح للمعقب ضدّه بما يتطابق مع العناوين المضمنة بالحكم المطعون فيه أو بمحضر الإعلام بالحكم . وفي صورة تعمد الطاعن إدخال تغيير في العناوين لمنع بلوغ المستندات الى المعقب ضدّه فإن حقوق هذا الأخير تبقى محفوظة في التتبع ومنها التتبع الجزائي في التحيّل في التبليغ على معنى الفصل  11 مكرر من م م م ت .
2/ أسباب تنقيح مجلة المرافعات المدنية والتجارية في سنة 2002
من بين الأسباب المعلنة عند تنقيح مجلة المرافعات المدنية والتجارية بموجب القانون عدد 82 لسنة 2002 المؤرخ في 3 أوت 2002 هو التخفيف من وطأة علامات البلوغ فقد ورد بالأعمال التحضيرية [26]” كما أنه ، ونظرا لما لوحظ من أن القضايا يقع في بعض الأحيان تأخيرها وتأجيل البت فيها حتى يقدم الطالب علامة بلوغ الرسالة مضمونة الوصول التي يرسلها العدل المنفذ ، حال أنه من الواضح أن الإجراء المطلوب توخيه قد تم القيام به ، فقد أقر المشروع التخلي عن مبدأ وجوب تقديم علامة البلوغ والاستعاضة عنه بمبدأ ترك حرية الاجتهاد والتقدير للقاضي ، حيث إن الطالب يكون غير ملزم بتقديمها ، ما لم يكن المطلوب قد حضر بالجلسة ، إذ أنه بضرورة لا يبقى أي موجب للمطالبة بعلامة البلوغ ، ويقوم حضور المطلوب قرينة قاطعة على بالبلوغ .”
وقد ورد في هذا المجال رأي المجلس الدستوري في سنة 2002 عند دراسة مدى دستورية مشروع القانون عدد 82 المذكور أن بطاقة الإعلام بالبلوغ ” لا تعتبر ضمانة من ضمانات حق الدفاع ” لأنها مجرّد عمل إداري ومن صلاحيات عون البريد [26].
ومن هذه المنطلقات يتضح أن إضافة البطاقة المطلوبة موكول لعمل أطراف ليس للمدّعي أو الطاعن أية سلطة عليها ومنه لا يمكن تحميله ما ليس له فعل فيه  ويمكن اعتبار أن عدم إضافة البطاقة هو قرينة على التعذر لأنه من الوجيه التيسير في تفسير الفصل 8 من م م م ت بخصوص إضافة بطاقة الإعلام بالبلوغ تطبيقا للفصل 541 من م ا ع فالأصل والصحة أنه تم توجيهها إلى المستدعى اعتمادا على شهادة العدل المنفذ في ذلك .
3/ حجية إشهاد العدل المنفذ
تكتسي المحاضر المحررة من عدول التنفيذ حجة رسمية فيما شهد به بنفسه عملا بالفصل 442 من م ا ع ولذلك فعندما ينص العدل المنفذ على أنه لم يجد المبلّغ إليه وأنه ترك له نظيرا ووجه له رسالة مضمونة الوصول مع الإعلام بالبلوغ وينص على ذلك بمحضر التبليغ ويضيف له بطاقة توجيه الإرسالية مع بيان تاريخها وعددها فإنه يعد ذلك حجّة رسمية معتمدة ما لم يقع الطعن فيها بالزور لا تحتاج لتدعيمها بإضافة بطاقة الإعلام بالبلوغ فتصريح العدل المنفذ حجة كافية في ذاتها . وأن الإصرار على المطالبة بها أمام قضاء التعقيب وردّها إذا قدّمت خارج الأجل المنصوص عليه بالفصل 185 من م م م ت من شأنه أن يعيق مراقبة الأحكام التي خرقت القانون كأن تكون قد اعتمدت نصا منسوخا أو شارك فيه قاض سبق له النظر في النزاع . ولا يقبل أن يتجاوز قاضي القانون خرقا بيّنا للقانون بعلة أن بطاقة الإعلام بالبلوغ غير مضافة .
وقد كانت اتخذت محكمة التعقيب في هذا المجال [26] أن ” تبليغ الاعلام من عدل التنفيذ طبق الفصل 8 من م م م ت لا لزوم فيه لإضافة وصل تبليغ الرسالة المضمنة لمحضر التبليغ إذ أن وصل التبليغ خاص  بالرسالة التي زادها القانون من باب الاحتياط لا غير ويكفي فيها تنصيص المحضر على إرسالها مع ول التبليغ دون انتظار رجوع هذا الأخير أو رجوع تلك الرسالة إذا ما رفض قبولها المرسل إليه فذلك كله لا تأثير له على صحة محضر التبليغ المذكور الذي هو حجة رسمية لا يمكن الطعن فيها إلاّ بالزور وبذلك فإن عدم تقديم وصل التبليغ للرسالة المضمونة مع محضر التبليغ لا يوهن المطلب في شكله ويكون مقبول شكلا رغم عدم تقديم ذلك الوصل من المحضر من طرف الطاعن ” . وقد ورد أيضا في قرار محكمة التعقيب [26] أن ” الأجل المحدّد للعدل المنفذ بشأن توجيه الرسالة المضمونة الوصول مع الاعلام بالبلوغ لمن وقع استدعاؤه طبق الحالتين الأخيرتين من الفصل 8 من مجلة الرافعات المدنية و التجارية لا يندرج بحال في الاجراءات الأساسية إذ أن ذلك الأجل ليس مقصودا لذاته في إكساء إبلاغ محضر الاستدعاء صبغته الخصوصية بل يندرج في مواعيد الحضور التي هي من القواعد التي تهم مصلحة الخصوم الشخصية ” .
[27] قرار تعقيبي جزائي صادر عن الدوائر المجتمعة بعدد 2011/297 مؤرخ في 29/12/2011 : قرار مبدئي منشور ب:
[28]  النوري مزيد في دراسته عن ” دور القاضي في مجال النزاعات المترتبة عن الطرد لأسباب إقتصادية” دراسات قانونية 2008 عـ15ـدد الصفحة 25 و 26 .أورد القرارين عدد :
-99/73814 مؤرخ في 03/12/1999 : ” وحيث أنه طالما لم تدل المعقبة (المؤجر) لا لدى اللجنة المختصة ولا لدى المحكمة بما يفيد السبب الأجنبي سواء ضعف انتاجية العملة أو غيره وبما يفيد أنها فعلت كل ما يلزم لاجتناب الحالة التي آلت إليها المؤسسة من جراء ذلك على فرض التسليم لصحته فإن ما انتهت إليه محكمة الحكم المنتقد من إعتبار الطرد تعسفيا….يعد في طريقه واقعا وقانونا”.
-99/73113 مؤرخ في 10/12/1999 : ” حيث أن الظروف الإقتصادية المدعى بها لاتبرر الطرد ولاتعفيه من التعويض ما لم يثبت أنه لم يكن هو المتسبب فيها وانه يبذل كل ما في وسعه لدرئها على معنى الفصلين 282 و 283 من م.إ.ع. أوانها ناتجة عن فعل المعقب ضده”.
[29]     قرار الدوائر المجتمعة عدد 99/74931 مؤرخ في 02/09/2000 قرارات الدوائر المجتمعة بمحكمة التعقيب 1999/2000 الصفحة 305.
” حيث أن الصعوبة الإقتصادية المؤدية إلى تخفيض نشاط المؤسسة أو غلقها لاتعد في حد ذاتها قوة قاهرة ضرورة أن تلك الصعوبات قد تكون متوقعة علاوة على أن الصعوبات الإقتصادية أو الفنية أصبحت بحد ذاتها سببا مبررا للطرد بحكم القانون دونما حاجة لاعتماد القوة القاهرة التي قد تمثلها تلك الصعوبة”.
[30]  القرار التعقيبي عـ66856ـدد في 02/10/1998 : ” حيث لاشيء بملف القضية يفيد تعرض المعقب لظروف إقتصادية طارئة أو قوة لا يد له فيها ولم يكن بإمكانه درؤها على معنى الفقرة الرابعة من الفصل 14 من م.ش والفصلين 282 و283 من م.ا باعتبار أن الانكماش الذي يدعيه في الاقتصاد الأوروبي وتقهقر السياح الوافدين على المنطقة لاشيء يثبته كما أن تنامي المزاحمة ببعث نزل جديدة على فرض صحته ليس من الأسباب التي لايمكن درؤها على معنى الفصلين 282 و283 من م.إ.ع إذا كان عليه اتخاذ التدابير اللازمة مما يجعل ما انتهت إليه محكمة الحكم المنتقد بشأن عدم وجود سبب حقيقي وجدي يبرر غلق المؤسسة وطرد المعقب ضده وزملائه له سند صحيح بالأوراق”.
[31]قرار تعقيبي مدني عدد 5906/2013مؤرخ في 25 ديسمبر 2013(غير منشور).” وحيث كان عل المتصرف القضائي النظر في امكانية التخفيض من الفوائض أو حذفها تماما بالنظر إلى الظروف الخاصة بقطاع السياحة  والنظر في حالة بعض العملة وانهاء عقود شغلهم أو منحهم التقاعد المبكر…”
[32] قرار تعقيبي مدني عدد 2014/ 20753 مؤرخ في 12/11/2015 (غير منشور.)
[33]  مرجع سابق .
[34]  قرار تعقيبي جزائي عدد 11777 مؤرخ في 19 أفريل 1976 ، النشرية ، 1976 الجزء 2 ، الصفحة 116.
[35]  قرار تعقيبي مدني عدد 2016/36118 مؤرخ في 15/2/2017 (غير منشور) الذي ورد به ” و حيث ومن جهة اخرى فان ما عللت به محكمة الموضوع حكمها بكون اعمال التخريب و النهب لم تحصل في الظروف العادية و انما كان بمناسبة الثورة الشعبية و ما استتبعها من احداث شغب و هي من الامور المعلومة بالضرورة لدى العموم  لا يعتبر من قبيل حكم القاضي بعلمه الشخصي المحظور قانونا طبق الفصل 23 من القانون الاساسي للقضاة طالما ان تلك الوقائع  ليست وقائع خاصة و كان العلم بها  مقصورا على المحكمة التي اصدرته وانما هي وقائع رسمية و معلومة لدى الكافة و قد استدل القرار المطعون فيه على صبغتها الرسمية بقرار وزير المالية المؤرخ في 2 ماي 2011 و المرسوم عدد 40 لسنة 2011   الذي لا خلاف حول تضمنهما بان الاحداث الواقعة في الفترة من 17 ديسمبر 2011 إلى 31 جانفي 2012 توصف بالاضطرابات والمظاهرات    و التحركات الشعبية .”
[36]  نبيل اسماعيل عمر ، امتناع القاضي عن القضاء بعلمه الشخصي ، دار الجامعة الجديدة ،2011 ، ص 10.
[37]  نبيل اسماعيل عمر ، المرجع أعلاه ، ص 49.
[38]  قرار تعقيبي مدني عدد2013/1583 مؤرخ في 31/10/2013 (غير منشور)
[39]  قرارتعقيبي مدني عدد 50103 مؤرخ في 5/11/2018 (غير منشور)  : تفيد وقائع القرار أن الناقل البحري رفع دعواه ضد شركة السحن وغيرها في طلب إلزتمها بالتعويض له عن الأضرار التي لحقت البضاعة المحمولة من  طرفه والتي تتمثل في سيارات جديدة وقضت محكمة البداية لصالح الدعوى وبموجبه سجلت المحكوم ضدها شركة الشحن الطعن بالإستئناف ولكن المحكمة قضت بسقوط الإستئناف لأنه تم تقديمه خارج الأجل . وتولت الشركة الطعن بالتعقيب في القرار المذكور على أساس أن  ” تقديم مطلب الاستئناف خارج الاجل بيومين مرده القوة القاهرة المتمثل في الاعتصامات التي شهدتها الشركة التونسية للشحن و الترصيف في تلك الفترة مما أدى الى قيامها بتضمين طلبها بمركز الضبط بتاريخ 23/07/2015 وان التحركات الاجتماعية تشكل قوة قاهرة حال دون تمكن الإدارة من تقديم مطلبها في الاجل المحدد ” وبيّنت محكمة التعقيب في تناول هذا المطعن ما يلي ” حيث من المتعين التأكيد ابتداء على انه ولئن لم تتعرض  احكام مجلة الإجراءات المدنية والتجارية  لمؤسسة  القوة القاهرة في الاجراءات  المدنية  المتعلقة بالطعون في الاحكام والقرارات ولم تجعلها من الاسباب التي يمكن للخصوم الاحتجاج بها لدى المحاكم العدلية وذلك على خلاف مادة الإجراءات الجزائية – بالفصلين   213  م ا ج بالنسبة لأجل الاستئناف و262   بالنسبة لأجل التعقيب – الا ان طبيعة مؤسسة القوة القاهرة – باعتبارها  وسيلة قانونية هامة تتمثل  حسبما  هو مسلم به قانونا وفقها وقضاء  في ظرف استثنائي يمكن ان يشمل جميع الوقائع أو الظروف الاستثنائية الخارجة عن السيطرة والتي لم يكن بالإمكان الاحتراز منها أو تجنبها أو تلافيها بصورة معقولة – تسمح بالقول بإمكانية إعمالها في كافة فروع القانون ومن ذلك احكام الإجراءات المدنية متى ثبتت شروطها من قبل المتمسك بها ” ثم تولت تقدير انه ليس في الامر قوة قاهرة لأن التكليف الصادر من المستأنفة – المعقبة الآن – كان بدوره خارج الأجل بمعنى أن تلك الأحداث لم يكن لها تأثير على عدم تقديم المطلب في الأجل . وبالتالي فإنه يحصل الربط بين التكييف ومدى تأثير ذلك احترام آجال الطعن . فليس في الامر ‘ثبات القوة القاهرة يساوي آليا الإعفاء من تسليط الجزاء بل لا بد أن لتك القوة أثر في عدم ممارسة الطعن في الأجل . وهو ما يدعو الى التمسك بإمكانية تفعيل القوة القاهرة ولكن في  نطاق ضيّق جدا.”حيث وفضلا على ان التمسك بالقوة القاهرة امام محكمة القانون دون محكمة الأصل ردا على  ما وقعت  اثارته من قبل نائب المستأنف ضدها بخصوص  وقوع الطعن بالاستئناف خارج الاجال القانونية الواردة بالفصل 141  م م م ت  لا يناسب خصوصية المطاعن الجائز تقديمها امام محكمة التعقيب  ،فان فحوى هذا الدفع المجرد المؤسس على أن الاعتصامات حالت دون تقديم الطعن في الاجل القانونية – لكون اذن النيابة الصادر من المستأنفة المعقبة الان لمحاميها بتاريخ 23/07/2017   أي بعد انقضاء اجل الطعن –لا يفيد توفر اركان القوة القاهرة “
[40] قرار تعقيبي مدني عدد152 صادر عن الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب بتاريخ 18/01/2001 ،قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب ،2000-2001 ص 26.
[41] قرار تعقيبي مدني عدد 157 صادر عن الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب بتاريخ 29/3/2001 ،قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب ،2000-2001 ص 37 .
[42] قرار تعقيبي مدني عدد 2011/58954 مؤرخ في 23/2/2012 (غير منشور) : قضت الدائرة التعقيبية برفض الطعن شكلا لعدم إضافة مستندات الطعن في الاجل .
[43] قرار تعقيبي مدني عدد  160 صادر عن الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب بتاريخ 26/4//2001 ،قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب ،2000-2001 ص 45.
[44]  الفصل 470 –  (نقح بالقانون عدد 57 لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000 .( نسخ الحجج الرسمية وغير الرسمية المأخوذة من الأصل تعتبر كأصولها إذا شـهد بصـحتها المأمورون العموميون المأذون ون بذلك بالبلدان المأخوذة بها النسخ أو إذا أقر بصـحتها الطـرف المحتج بها ضده أو إذا كانت ممضاة من طرفه أو إذا تم إنجازها وفق وسائل فنيـة تـوفر كـل الضمانات لمطابقتها لأصولها. وفي صورة عدم توفر هذه الشروط يتم عرضها على الاختبار لبيان مدى صحتها.”
[45]  قرار تعقيبي /خطا بين في المادة الجزائية  عدد 294 مؤرخ في 4/12/2015 ، قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 2015 ، ص 283.
[46]  المرجع السابق .
[47]  قرار تعقيبي مدني عدد 2017/50432 مؤرخ في 5/4/2018 (غير منشور)  وتتمثل  الوقائع في أن  المعقبة طعنت بالاستئناف في الحك م الإستعجالي الصادر في مادة  الإشكال التنفيذي والذي قضى ابتدائيا بجدية الإشكال والإذن بإيقاف أعمال التنفيذ  كالإذن بالتنفيذ على المسودة . وقد تم إعلام الطاعنة بذلك القرار وتم تبليغها المسودة . وقد سجلت الطعن بالإستئناف وأضافت تلك المسودة ودون نسخة الحكم لأنها لم تكن جاهزة غير أن محكمة الإستئناف رفضت الطعن شكلا لعدم إضافة نسخة الحكم مثلما ما يقتضيه الفصل 134 من م م م ت . وقد اعتبرت  الطاعنة أنها   كانت أضافت مسودة الحكم المطعون فيه باعتبار ان هذا الحكم محلى بالتنفيذ على المسودة وتم الإعلام به على تلك الشاكلة الشيء  الذي حدا بالمعقبة الآن إلى استئنافه في الآجال المضبوطة لذلك ابتداءً من تاريخ الإعلام بالمسودة مؤكدة ان عدم تقديم نسخة من الحكم امر يخرج عن نطاقها و يرجع للمحكمة الابتدائية بأريانة التي تباطأت في تلخيص الحكم ورقنه كما ان محكمة القرار المنتقد قد بتت في الملف دون ورود الملف الأصلي و لم تنص في حكمها على ذلك وهو ما يمثل تحريفا للوقائع . وانها تدلي بمحضر معاينة عدد 1446 مجرى من عدل التنفيذ الأستاذ محمد الناصر البليلي يفيد انه تحول بتاريخ 08/11/2016إلى كتابة المحكمة الابتدائية بأريانة و اطلع على الدفتر الخاص بمراقبة التلخيص و الرقن و عاين ان نسخة الحكم غير جاهزة وهو السبب الذي على أساسه لم تقع إضافة الحكم الابتدائي وكان على المحكمة الأخذ بالطبيعة الاستعجالية للنزاع و بضرورة الأخذ بموجبات الفقرة 2 من الفصل 207 و الفصل 208 وما بعده م م م ت.   وقد اعتبرت المحكمة أنه اقتضت أحكام الفقرة الأولى من الفصل 122 م م م ت  أنه ” يجب تحرير نسخة أصلية للحكم طبق موجبات الفصل 123 في أقرب أجل و على كل حال ينبغي ان لا يتجاوز  هذا الأجل عشرة أيام من تاريخ صدوره ” إلا أن الثابت رجوعا إلى أوراق الملف انه لم يتم تلخيص الحكم الابتدائي المطعون فيه في الأجل القانوني المنصوص عليه بالنص المذكور وكذلك إبّان نظر محكمة القرار المنتقد في الطعن أو حتى بعد صدور قرارها محل الطعن الآن ،  مُؤكّد ذلك ما تضمنه محضر المعاينة  عدد 1446 المجرى بتاريخ 08/11/ 2016  من عدل التنفيذ الأستاذ  محمد سليم بودربالة الذي توجه إلى كتابة المحكمة الابتدائية بأريانة و اطلع على دفتر مراقبة تلخيص الأحكام وعاين عدم تلخيص الحكم الابتدائي إلى حدود التاريخ المذكور أخيرا  وهذا المحضر هو حجة رسمية  تُؤكّد وجود استحالة مادية لا تتحمل الطاعنة تبعاتها وعذرا شرعيا حال دون  تقديمها لنسخة الحكم المطعون فيه طبق ما يوجبه عليها الفصل 134 م م م ت  وبالتالي فإن القضاء برفض الاستئناف شكلا رغم أن إخلال الطاعنة بأحكام الفصل المذكور لا يعزى إلى تقصيرها  ، فيه إجحاف بحقوقها وتسليط جزاء عليها لم تكن لتستحقه بالنظر لعدم تحملها مسؤولية السبب الذي على أساسه لم تقع إضافة الحكم .
[48]  قرار تعقيبي مدني عدد 157 مؤرخ في 29/03/2001 قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 2000/2001 ، ص 37.
[49]  يتدخل المشرع في بعض الصور لضبط أجل محدد للفصل في الخصومة القضائية . ونورد في ذلك الأمثلة التالية :
[50]  قرار تعقيبي مدني 60042 مؤرخ في 14/8/1997.(غير منشور)
[51] ا منصف الكشو ، دراسات في القانون الإجتماعي ، مجمع الأطرش للكتاب المختص ، الطبعة الأولى جانفي 2017 ، ص 93./94.
[52]  و نورد في هذا الموقف القرارات التالية:
قرار عـ310ـدد بتاريخ 24/01/1976 ن م ت ج II ص 647.
قرار عـ6714ـدد في 06/12/1982 ن م ت ج 1 ص 23.
قرار عـ5275ـدد في 14/02/1983 ن م ت ج 1 ص 21.
[53] قـــرار ورد فــي دراسـة الأستاذ النوري مـزيد –  المـرجــع مذكــور ص 28-29
كمــا ورد بـمـذكــرة الســيـدة  شيراز بن حميدة
Le licenciement  des salaries pour cause économiques ” F.D.S- Années universitaire 2003/2004.
[54] قرار عـ99/74391ـدد من 28/09 /2000 قرارات الدوائر المجتمعة 1999-2000 ص 305.
[55] Cass civ 1é, 1er juin 2005, n°05-15-476,Bull civ ,l,n°240.
[56] Droit et pratique de la procédure civile . Droit interne et de l’union européenne ,Dalloz Action ,2012/2013 .Sous la direction de Serge Guinchard ,n°533-25 ,p°1285.
[57]Cass civ 2é8/5/1980.n°78-15-893,Bull civ ll,n°99. Gaz pal 1980,2,559.
[58] Voir . JurisClasseur Procédure civile
Fasc. 1000-80 : POURVOI EN CASSATION. – Délais. – Forme. – Effets . Jacques Vuitton , Xavier Vuitton. n°54, p°10..
Date du fascicule : 31 Janvier 2017
Date de la dernière mise à jour : 30 Août 2019 .
[59] Cass com 15/03/1980 ,n°78-12-834-Bull civ lv ,n°114.
[60]  يخضع التعلل بالمرض لطلب فسخ العقود بناءا على المرض أو ما شاكله إلى اجتهاد القاضي تطبيقا للفصل 59 من م ا ع الذي نص أنه ” أسباب فسخ العقد المبنية على حالة مرض أو شكله من الحالات موكولة لنظر القاضي “
[61] Cass soc 10/05/1983 , n°80-41-837- Bull civ v ,n°250.
[62] Document: Procédures n° 12, Décembre 2018, comm. 380  , Document consulté sur https://www.lexis360.fr.
« les juges ajoutent que l’amnésie traumatique invoquée par la partie civile ne peut être considérée comme constituant un obstacle de fait insurmontable et assimilable à la force majeure ayant pu suspendre le délai de prescription »
« la Cour de cassation qui avait déjà pu estimer que « l’amnésie traumatique » d’une victime ne
suspendait pas la prescription (Cass. crim., 18 déc. 2013, n° 13-81.129 : Juris Data n° 2013-029043 ; Dalloz actualité, 8 janv. 2014, note Léna), confirme ici sa jurisprudence ».
[63]Pourvoi en cassation en matière civile , Philippe Gérard , Hakim boularbah ,jean François Drooghenbroek,p°75,n°148.
[64]  نفس المرجع أعلاه .
[65]  قار تعقيبي مدني عدد 3784 مؤرخ في 11 مارس 1980 ، م ق ت عدد5  لسنة1980  ، الصفحة 127. ونشر أيضا بالمجلة القانونية التونسية 1980، الصفحة 247 وأعيد نشره ب م ق ت 2009 عدد1، الصفحة 169.
[66]  محمد كمال شرف الدين ، قانون مدني ، النظرية العامة للقانون ، النظرية العامة للحقوق ،   مجمع الاطرش للكتاب المختص ، الطبعة الثانية ، الصفحة 215
[67]  من باب التعليق نقول بمثالية النزعة لكن يجب أن لا يغيب عن القاضي كونه مقيّد بنصوص وضعية مكتوبة من واجبه تطبيقها . فالفصل 185 من م م م ت واضحا في بيان الواجب في تقديم جملة من الوثائق وبيّن أيضا في ترتيب الجزاء عن الإخلال بالواجب وهي مسالة لا تستدعي اجتهادا أو بحثا في في المرجعيات المثالية لتجاوز الحلول القانونية الوضعية البيّنة .
[68]  يقر فقه القضاء صحة تعهد المحاكم بالنزاع رغم عدم اختصاصه الصريح والذي يعقد الاختصاص لمحكمة أجنبيّة وذلك بناءا على حالة الضرروة  كحالة رفض الجهة الأجنبيّة التعهد بالنزاع حال أنها المختصة ولا يمكن أن يبقى المتقاضي التونسي معلقا ولا يجد من ينظر في النزاع الذي يهمه . وفي هذا أقرت محكمة التعقيب بناا على حالة الضرورة for de nécessité   صحة تعهد المحاكم التونسية في دعوى طلاق بين تونسيين يقيمان بالخارج بناءا على رفض محاكم الدولة الأجنبية التعهد بالنزاع حال أنه من اختصاصها وفق القانون الدولي الخاص ورفض المحاكم التونسية  التعهد بالنزاع أيضا . فكان الموقف أن الضرورة تقتضي أن تبت المحاكم التونسية في نزاع الطلاق بين للزوجين .
[69]  قرار تعقيبي مدني عدد 2015/26305 مؤرخ في 10/3/2016 (غير منشور)
[70]  قرار تعقيبي مدني عدد 2013/9601 مؤرخ في 13/11/2014 (غير منشور)

2 تعليقان

  1. Avatar

    مقال مفيد من الناحية القانونية والإجرائية خاصة وأن حالة العدوى من هذا النوع نادرة خاصة في ظل سكوت المشرع في هذه المسألة مع الشكر على التوضيح والإفادة

  2. Avatar
    إشراق بلبع

    شكرا أستاذنا على هذا المقال الرائع
    دمت مبدعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *