أخبار
الرئيسية / إضاءات على المشهد القضائي / بعد القبول الشكلي لطلب المدعية العامة للمحكمة الجنائية بشأن الاختصاص الاقليمي، هل ستطلب “بنسودا” الإذن بمواصلة التحقيقات وحماية الشهود؟؟

بعد القبول الشكلي لطلب المدعية العامة للمحكمة الجنائية بشأن الاختصاص الاقليمي، هل ستطلب “بنسودا” الإذن بمواصلة التحقيقات وحماية الشهود؟؟

القاضي د. أحمد الأشقر

أصدرت الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية في 28 كانون الثاني / يناير 2020  أمرًا يحدد الإجراء والجدول الزمني لتقديم الملاحظات على طلب المدعية العامة للمحكمة بنسودا، والذي أعيد تقديمه في 22 يناير 2020 ، بموجب المادة 19 (3) من نظام روما الأساسي المتعلق بنطاق اختصاص المحكمة الإقليمي في الوضع في دولة فلسطين، وكانت المحكمة ذاتها قد رفضت طلب المدعية العامة قبل أيام لأسباب شكلية تتعلق بعدد الصفحات مما جعل المدعية العامة تقدم طلبا جديداً مستوفيا للشروط الشكلية وهو ما وافقت عليه المحكمة في دائرتها التمهيدية الأولى الأمر الذي يختصر الوقت،  لكنه لا يفصل في مسألة الولاية الإقليمية للمحكمة، حيث قد دعت الغرفة المؤلفة من القاضي بيتير كوفاتش، والقاضي مارك بيرين دي بريشامبووت، والقاضي راين ألابيني جانسو ، فلسطين ودولة الاحتلال، وضحايا الوضع في دولة فلسطين ، إلى تقديم ملاحظات مكتوبة على طلب المدعي العام في موعد لا يتجاوز 16 مارس 2020، وسمحت أيضا للدول المنظمات والضحايا  تقديم طلبات للحصول على إذن لتقديم ملاحظات خطية في موعد لا يتجاوز 14 فبراير 2020، وقد حددت الدائرة جدولاً زمنيا لهذه الإجراءات والمدد الزمنية الملزمة للمعنيين.

طلب المدعية العامة بشأن الاختصاص الاقليمي ارتكز على المادة 12 فقرة 2 – أ من النظام، والتي أكدت على أنه   يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت واحدة أو أكثر من الدول التالية طرفاً في هذا النظام الأساسي أو قبلت باختصاص المحكمة، باعتبار أنّ دولة فلسطين هي الدولة التي وقع بها الفعل محل التحقيق والإحالة من قبل دولة فلسطين، وهو ما ينهض فعلاً بولاية المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم الواقعة في الأراضي الفلسطينية باعتبارها دولة قبلت باختصاص المحكمة، وهذا هو جوهر القرار الذي تبحث فيه المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يشكل حال صدوره تطوراً نوعيا في عمل المحكمة بشأن الوضع في فلسطين.

القرار الصادر بتاريخ 28 يناير مهم لكونه تجاوز مسألة الرفض الشكلي للطلب، ولكنه لا يعني القبول الموضوعي للولاية الاقليمية للمحكمة على الوضع في فلسطين، وهذا سوف يستغرق وقتاً في دراسة الملاحظات من قبل المحكمة والطلبات ليتسنى لها التقرير بشأن قبول الولاية الاقليمية للمحكمة على الوضع في فلسطين،  ومع ذلك، تبدو أهمية هذا القرار في أنّ المدعية العامة للمحكمة تستطيع  أن تطلب من المحكمة ريثما تصدر قرارها بشأن المقبولية الإذن بموجب المادة 19 فقرة 8 من نطام روما من المحكمة مواصلة التحقيقات وهذا امر في غاية الأهمية لأنه سوف يوّفر الكثير من الوقت، ويسمح للمدعية العامة بتكوين ملف متكامل حال قبول المحكمة بالولاية الاقليمية للمحكمة على الوضع في فلسطين.

إذ أنه وبالنطر إلى المادة 19 فقرة 8  من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، يتبين أنها أعطت المدعية العامة الحق – ريثما تصدر المحكمة قرارها بشأن المقبولية- أن تلتمس من المحكمة الإذن في  مواصلة التحقيقات اللازمة من النوع المشار إليه في الفقرة 6 من المادة 18، والتي تتعلق بسلطة إجراء التحقيقات اللازمة لحفظ الأدلة إذا سنحت فرصة فريدة للحصول على أدلة هامة، أو كان هناك احتمال كبير بعدم إمكان الحصول على هذه الأدلة في وقت لاحق، وهو ما قد ينطبق على الحالة الفلسطينية سيما في ظل سيطرة دولة الاحتلال على كامل الأرض الفلسطينية وقدرتها على إخفاء الإدلة وطمسها.

كما يمكن للمدعية العامة بموجب المادة 19 فقرة 8 المشار لها أن تلتمس من المحكمة الإذن بأخذ أقوال أو شهادة من شاهد أو إتمام عملية جمع وفحص الأدلة التي تكون قد بدأت قبل تقديم الطعن، وكذلك اتخاذ الإجراءات للحيلولة وبالتعاون مع الدول ذات الصلة دون فرار الأشخاص الذين يكون المدعي العام قد طلب بالفعل إصدار أمر بإلقاء القبض عليهم بموجب المادة 58 من النظام.

الملاحظ أنّ المدعية العامة بنسودا في بيانها الصادر بتاريخ 20 ديسمبر 2019 قد أشارت إلى أنها التمست من المحكمة السرعة الممكنة في النظر بشأن المقبولية لصالح الضحايا والمجتمعات المتأثرة، والشهود المحتملين واحتياجاتهم المتعلقة بالحماية، وكذلك إجراء التحقيقات وكفاءة الإجراءات القضائية، وهذا ما قد يفتح الباب على مصراعيه للنظر فيما إذا كانت المدعية العامة ولذات الأسباب الذي ذكرتها في بيانها وهي حماية الضحايا والشهود المحتملين سوف تلتمس بموجب المادة 19 فقرة 8  من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية -ريثما تصدر المحكمة قرارها بشأن المقبولية- الإذن في  مواصلة التحقيقات اللازمة من عدمه، وهو أمر قريب الاحتمال بالنظر إلى ما ورد في بيان المدعية العامة المذكور، والذي يعطي أساساً قوياً للاعتقاد بأنها سوف تقوم بذلك تجنباً لضياع الأدلة، وسعياً لحماية المجتمع والشهود المحتملين وحفظ الأدلة.

من جانب آخر، فإنّ الغرف التمهيدية أجازت لضحايا الوضع في دولة فلسطين ، إلى تقديم ملاحظات مكتوبة على طلب المدعي العام، وهي ممسألة أجازته صراحة المادة 19 فقرة 3 من نظام روما الأساسي، الأمر الذي يتيح للضحايا الفلسطينيين التقدم بملاحظات تدعم من طلب المدعية العامة، واللافت أن المحكمة في بيانها بالخصوص الصادر في 28 يناير 2020 قد أكدت أنّه من المناسب تعيين محام من مكتب المستشار العام للضحايا لتمثيل الضحايا في الوضع في دولة فلسطين الذين ليس لديهم تمثيل قانوني لغرض وحيد هو تقديم الملاحظات وهو ما يجب أن يصار إلى إجرائه، وان تقوم المنظمات الحقوقية ذاتها بتقديم مذكرات تدعم وجهة النظر بشأن انعقاد الاختصاص الاقليمي للمحكمة الجنائية الدولية على الوضع في فلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *