أخبار
الرئيسية / المجلة / دفاعا عن حرية التعبير، يحق دستوريا وأخلاقيا للقضاة التعبير عن آرائهم في قضايا الشأن العام/ محمد خضر*

دفاعا عن حرية التعبير، يحق دستوريا وأخلاقيا للقضاة التعبير عن آرائهم في قضايا الشأن العام/ محمد خضر*

 

لا شك أننا لا زلنا ننافس في المقاعد الأخيرة المحجوزة لقائمة الدول المعادية لحرية التعبير، ولا شك أن حالة التخبط في معرفة ما هو مباح وما هو محظور من قبل مؤسسات العدالة ومؤسسات المجتمع المدني خير مثال على ذلك. يحال قاض مشهود له بمواقف جريئة حفاظا على حقوق الإنسان وسيادة القانون إلى التحقيق. سبب الإحالة، نشر مقال يسرد فيه حالات عديدة تمثل خروجا على مبادئ القانون وحقوق الإنسان، ويطالب في نهايته بالتحقيق في انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان في فترة الحكومة السابقة. بالتأكيد هذه الإحالة ليست الأولى، وحصلت سابقا مع قضاة نحترمهم ونكن لهم كل الإعجاب والتقدير. ما يميز هذه الإحالة الآن أنها تأتي في المرحلة الانتقالية، التي يفترض أنها تهدف إلى إعادة بناء القضاء الفلسطيني وإعادة ثقة المواطنين به، كما هو معلن.

كمثل شبيهاتها من الإحالات، المتهم هنا ليس فقط الشخص المحال، بل أيضا قيم المجتمع ذاته والمبادئ التي يؤمن بها ويدافع عنها. ولا أبالغ إذا قلت إن الإحالة بحد ذاتها انتهاك لحقوق الإنسان، وتخلق ما يسمى بحالة الرقابة الذاتية، ويصبح التعبير عن الرأي فيها ضربا من المغامرة، وهذا منزلق خطر، فيه تبدأ المجتمعات بالانحدار، وفيه تبدأ شهية الظلم والانتقام بالازدهار. لا أحد محصن، فهذه الإحالة، وسابقاتها لقضاة لديهم حصانة، ومشهود لهم بالنزاهة، يضع الجميع أمام التساؤل، ما الذي يمنع من اعتقال أي شخص على مقال أو كتاب أو منشور أو تعليق أو حتى إعجاب.

يفترض أن يكون القضاة قادرين على معرفة ما يتوجب قوله وما لا يتوجب، والمجتمع الحر لا يقبل أن يحسب عليه تحويل قاض إلى التأديب بسبب مقال في قضايا الشأن العام. فمن جانب، هذا الإجراء يتعدى ليس فقط على حق القاضي في المشاركة والتعبير، بل أيضا يتعدى على حق المجتمع في الحصول على المعرفة وسماع أكثر الأصوات عمقا واطلاعا على قضايا الشأن العام. ومن جانب آخر، فإن هذا الإجراء بحق قاض يبعث رسالة إلى المجتمع بأن النظام لا يحترم قضاته، الذين يأتمنهم على قضايا وحقوق الناس. هذا بحد ذاته اضعاف لثقة الناس بالقضاة، وهو نيل من استقلال القضاء، لأن تأديب القاضي وإخضاعه هو أحد صور إخضاع المجتمع باستعمال الأدوات والطرق القانونية من عهود الظلام ومحاكم التفتيش.

المقال الذي تناوله القاضي الأشقر، والقضاة الآخرين الذين تم استهدافهم لتناولهم مسائل تتعلق بالشأن العام، لم يقوموا فقط بالتعبير عن آرائهم المحمية دستوريا، بل أيضا قاموا بواجب مقدس في تناول مسائل ذات قيمة مجتمعية ملحة، يتساءل معظم الناس بشأنها، سواء في الجلسات الخاصة أو العامة. وإذا أردنا أن نكون صريحين مع أنفسنا، فلماذا لا نكون صادقين في مواجهتها ولماذا نحرم المجتمع من سماع آراء شريحة متخصصة عارفة في قضايا الشأن العام. وأنا لا أشك، أن للقاضي قدرة تفوق معظم ممتهني التدريب في مجال حرية الرأي والتعبير على معرفة ما إذا كان ما يعبر بشأنه ينال من الحق في محاكمة عادلة للمتقاضين أمامه أو أمام غيره من الهيئات القضائية، لأن هذه هي الخصوصية الوحيدة والقيد الإضافي الوحيد على حرية القاضي في التعبير عن آرائه مثله مثل باقي أفراد المجتمع.

كما هو متداول على لسان الحكومة، منذ بداية السلطة قدمت الدول المانحة ما قيمته 37 مليار، تقول الحكومة أنها أنفقت منها 20 مليار رواتب، و7 مليار مشاريع، وأنفقت مؤسسات المجتمع منها 10 مليار. دون الدخول في صحة ومعنى وتفاصيل هذه الأرقام، ألم يتم إنفاق مليارات الدولارات من أجل تعزيز قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد. ألم يشارك معظم، إن لم يكن جميع، من يعمل في وظيفة عامة في برامج وتدريبات ودورات داخلية وخارجية تتعلق بتعزيز حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية، وفي مقدمتها، حرية الرأي والتعبير. فما هي نظرة شعوب ومؤسسات الدول المانحة الداعمة والصديقة للشعب الفلسطيني، إذا كانت نتيجة هذه المشاريع إحالة قضاة للتأديب بسبب تعبيرهم عن آرائهم في قضايا تتعلق بالشأن العام، وفي ظاهرها لا تمس، ولا تتعلق حتى، بحقوق المتقاضين أمامهم.

غريبة هي المواقف المتداولة للمدافعين عن حقوق الإنسان والناصحين في مجال حرية التعبير والإعلام. فهذه المواقف تتراوح بين السماح بقيود غير واضحة تصل حد المنع، أو تعطي المبرر سواء بالسماح أو المنع، وكأن الموضوع يتعلق بشكليات وسوابق ومدارس نمطية، يمكن لسلطة أو مجموعة أشخاص أن تختاروا بينها. فمثلا، بعد أن يذكر أحدهم أن المبدأ هو حق القضاة في التعبير وأن الاستثناء هو التقييد وأنه لا يجوز التوسع في تفسير التقييد، يقوم لاحقا في الإسهاب في القيود التي تمنع القاضي من التعبير، ويتم ذكر مصطلحات فضفاضة مثل المساس بهيبة القضاء وإعطاء أمثلة على القيود على سبيل المثال وترك الباب مفتوحا لإضافة قيود أخرى إذا تم الاتفاق عليها داخليا بين القضاة حفاظا على هيبة واحترام القضاء. وهذا المثال نموذجي لحالة الادعاء بحماية التعبير لكن تفريغ هذا الحق من مضمونه من خلال القيود، وهو بالمناسبة الموقف الدارج لنخب ومثقفي بلدان العالم الثالث. وموقف آخر أكثر تقدما، ناصح، ويشدد على تجاوز البعد التجريمي، وبشأن حق القضاة في التعبير عن آرائهم يرى، أن “العالم الحر فيه مدرستان، مدرسة منفتحة ترى حق القاضي في التعبير عن رأيه، ومدرسة محافظة ترى أن مهمة القاضي حماية حرية التعبير من خلال القرارات القضائية، دون أن يبدي رأيه في قضايا عامة خارج الشأن القضائي”. وتعقيبا على ذلك، وفرضا أننا نسير على خطى المجتمع الحر، ما هو الجزاء في حال تبني المدرسة الثانية، وهل هذا التبني يعطي المبرر الأخلاقي والقانوني للمساءلة التأديبية بعيدا عن البعد التجريمي؟

إن مثل هذه المواقف هي سبب حالة التخبط، فإذا كان أشخاص مؤسسات المجتمع المدني المفترض دفاعهم عن حقوق الإنسان هذه مواقفهم، التي يمكن أن تفسر بأنها لا تمانع الحظر والتقييد، وكأن الموضوع اجتهاد أو مجاملة وهو مطروح للمساومة، ولا يتعلق بحق أساسي من حقوق الإنسان، والقاضي، كما هو أي فرد في المجتمع، هو صاحب الاختيار بين حقه في التعبير أو التحفظ، وإذا حرم منه القاضي حرم المجتمع من آراء هو بأمس الحاجة لها. وهذا يدعونا للتأمل في المشكلة الحقيقية، هل هي غياب المعرفة الحقيقية عند هذه المؤسسات التي يفترض أن تدافع عن حرية التعبير في تفاصيل هذا الحق والقيود التي ترد عليه، أم أن المعرفة هذه قابلة للمساومة بحسب الموقف. ودون إطالة يحق للقضاة في المجتمع الحر التعبير عن آرائهم في أية مسألة تتعلق بالشأن العام مثلهم مثل أي فرد في المجتمع والقيد الإضافي الوحيد هو عدم الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة للمتقاضين، وهذا ما يتفق عليه المجتمع الحر، وتترك الحرية للقاضي في أن يختار، أن يعبر أو أن يصمت.

للأسف الكثير من أشخاص المؤسسات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني يجهلون أهمية حماية حقوق الإنسان، رغم أنهم ينفذون مشاريع هدفها المعلن تعزيز حقوق الإنسان، ورغم أنهم يبدون في العلن دعمهم لحقوق الإنسان، ورغم أنهم يعقدون الورشات ويشرفون على افتتاح التدريبات الخاصة بحقوق الإنسان. الواقع يشير أن معظم هذه المواقف لا تخرج عن سقف المجاملة أو المقايضة أو حتى التواطؤ، خاصة إذا تعلق الأمر بسياسات وتحالفات مع النخب في السلطة التنفيذية. مواقف الكثير من مؤسسات المجتمع المدني في مسألة ما سمى بإصلاح السلطة القضائية وما تبعها من إطاحة بمجلس القضاء الذي يفترض أن يشكل وفقا للقانون الأساسي وقانون السلطة القضائية، لحساب مجلس انتقالي مشكل بقرار اعتباطي فردي من السلطة التنفيذية، وما تبعه من عزل لجميع قضاة المحكمة العليا، وإعادتهم، وإعادة عزل كثير منهم بإحالتهم للتقاعد، كل ذلك دون مراعاة مبادئ القانون والقيم الدستورية التي تحمي حقوق الإنسان واستقلال القضاء، هذه جميعها ساهمت في إضعاف القضاء والقضاة أنفسهم، وتعزيز سطوة المسؤولين والمتنمرين عليهم، كما ساعدت في تصفية الحسابات على حساب مبادئ الدستور وحقوق الإنسان.

أخذا بالاعتبار التحالف المعلن، ومواقف هذه المؤسسات الداعمة للسلطة التنفيذية في اخضاع القضاة وانتهاك حقوقهم في الكثير من الجوانب، يصبح السؤال الملح، هل من الأخلاق اليوم تبديل المواقف والتظاهر بالوقوف موقف الحياد، لأنه من سهل ومهد إلى الوصول إلى هذه الحالة هي ذات المؤسسات التي تقف اليوم مثلا ضد إغلاق المواقع بحجة أن هذه الحريات محمية دستوريا، وأن إغلاقها مخالف للقانون الأساسي. كثير من هذه المؤسسات بررت التدخل غير الدستوري في السلطة القضاء وفي الحقوق الفردية للقضاة، وكان أحد اسانيدها لهذا الموقف الميكافيلي، بأن الغاية تبرر الوسيلة، أنه لا يوجد دستور ولا يوجد حقوق إنسان ولن يضير المجتمع الفلسطيني، انتهاك إضافي للقانون الأساسي، طالما أن الغاية هي “الإصلاح”.

أنصح كل من يقف على الحياد أن يقرأ أي مقال أو رأي تتم محاكمته، فلم يخذلني يوما مقال أو رأي أو موقف أو كتاب تمت محاكمته، استفدت كثيرا منها، شعرت حقا بأهميتها، وكم شعرت بالأسف والتعدي على حقي شخصيا في الوصول إلى المعلومات وتلقيها وتكوين رأي واع مستنير بسببها. فكم هي محظوظة المجتمعات التي تعلي حرية التعبير والتعددية الفكرية، للجميع دون استثناء، وكم هي تعيسة وفاسدة تلك المجتمعات التي تنفق الملايين على تعزيز حقوق لا تجد عند انتهاكها من يقف إلى جانبها.

*باحث في القانون الدستوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *