أخبار
الرئيسية / إضاءات على المشهد القضائي / بعد سنة من تأسيس الاتحاد: إضاءات على التحولات الكبرى في دور القاضي العربي…

بعد سنة من تأسيس الاتحاد: إضاءات على التحولات الكبرى في دور القاضي العربي…

رئيس الاتحاد العربي للقضاة – القاضي د.أحمد الأشقر

 

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، بهذا النصّ الشعري الشهير للشاعر التونسي “أبو القاسم الشابّي” افتتح نادي قضاة لبنان بيانه التاريخي بتاريخ 18-10-2019  تعقيباً على  الأحداث التي يشهدها لبنان من تصاعد المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، وقبل ذلك بأسابيع قليلة، وتحديداً في 15-10-2019، وجهت جمعية القضاء العراقي في بيان لافت لها خطاباً للقضاة قالت فيه “أنتم الآن وفي هذه الظروف تمثلون المفترق ما بين مشاعل الحق ونصرة المظلومين وحماية الوطن من الفاسدين”، وذلك أيضا تعقيباً على الاحتجاجات والتظاهرات التي قام بها العراقيون والتي أسفرت عن عشرات الشهداء والجرحى، وقبل شهور من ذلك  أيضاً، ورغم حداثة تأسيسه، كان لنادي أعضاء النيابة العامة السودانيين موقفاً لافتاً في دعم الثورة السودانية من خلال مشاركتهم في تجمع المهنيين السودانيين الذي قاد الثورة السودانية، وما كان بيانهم الأخير الصادر بتاريخ 11-10-2019 والذي طالبوا فيه بتحقيق القصاص العادل لشهداء وجرحى الثورة السودانية  وتقديم كل الجُناة اللذين ارتكبوا جرائم في حق أبناء هذا الشعب لمحاكمات عادلة، واستعادة الأموال والأصول والممتلكات خارج السودان، إلا أصدق تعبير عن هذا الدور المتصاعد والمتنامي لنادي أعضاء النيابة العامة السودانيين في المشهد السوداني.

في الجزائر أيضاً، ساهم موقف القضاة بشكل لافت في حماية النظام الدستوري الجزائري عبر رفض آلاف القضاة المشاركة في الرقابة على الانتخابات قبل شهور، ومشاركتهم اللافتة أيضا في التظاهرات الاحتجاجية ودعهما، والتي أسفرت أيضاً عن تغيير جذري في بنية نقابة القضاة الجزائريين نحو تعزيز وشفافية تمثيلية القضاة على الوجه الأصدق تعبيراً، ومن ذلك أيضاُ دور القضاة التونسيين في حماية منظومة الحقوق والحريات ومكتسبات الثورة التونسية على مدى سنوات، سطرتها مواقف لافتة ومشهودة للكافة.

العديد من المواقف والتطورات اللافتة  للهياكل القضائية والجمعيات المهنية للقضاة التي واكبها الاتحاد العربي للقضاة، وساندها بقوة الحق العربي، وبإيمانه العميق في دعم دور الهياكل القضائية في التأثير الايجابي نحو تعزيز مكانة السلطة القضائية، وحماية الحقوق والحريات العامة، والانتصار لقيم العدالة والمساواة والمساءلة، الآن، وبعد سنة ونيّف من تأسيس هذا الاتحاد، والذي ساهم في دعم تأسيس الهياكل الحديثة النشأة، ودفع بانضمامها للاتحاد مثل السودان والعراق، أصبحت الهياكل القضائية العربية من نقابات وجمعيات ونوادٍ قادرة على البناء التراكمي على خبراتها، والتشارك الجدي في حمل هموم القضايا العربية، والتواصل الفاعل في سبيل تبادل الخبرات وآليات المعالجة والقدرة على التأثير في المشهد العام، وهكذا، يكون الاتحاد قد ساهم في تعزيز الدور الاجتماعي للقاضي العربي، الذي أصبح له قدرة لافتة على الولوج إلى مكامن العمل الوحدوي العربي، بعيداً عن متاهات السياسة، وانتصارا فقط، لمبادئ الاستقلال القضائي، والهمّ العربي المشترك، والحلم الكبير الذي حملنا به، وطن عربي حرّ، تحُترم فيه كرامة المواطن، ويسوده مبدأ سيادة القانون على الحاكم والمحكوم.

والحقيقة التي لا مراء فيها ولا جدال، أنّ ثمّة تحولات كبرى في النظرة إلى دور القاضي العربي، فهو لم يعد القاضي التقليدي الذي يحكم فقط، بمعزل عن هموم أبناء شعبه، ليصبح القاضي محوراً فاعلاً في التعبير عن هموم بلده وفقاً لدوره كحارس للحقوق والحريات، القاضي الذي ينفصل عن هموم شعبه في الحقيقة يصبح منعزلاً عن موجبات إشغال وظيفته القضائية، والتي تقوم أساساً على أنه ينطق أحكامه باسم هذا الشعب، ليتعدى دوره إلى التعبير عن رأيه في الشأن العام، ويكافح الفساد الذي ينهب خيرات البلاد والعباد.

في لبنان، طالب نادي قضاته بضرورة تحمّل الزعماء السياسيين كافة المسؤولية الشخصية بالتكافل والتضامن عن عجز الخزينة الذي انتجته سياساتهم بشكل مباشر أو غير مباشر على مدى سنوات طوال والتي تُرجمت في قرارات حكومات التحاصص المتتالية،  وإلزامية تنحي كل مسؤول مساهم في الفساد، وعدم الاكتفاء باستقالة الحكومة، بل ضرورة استقالة المجلس النيابي وإجراء انتخابات تمتحن جدية صحوة المواطن ونبذه الطائفية والمحاصصة والاستزلام، تمهيداً لإفراز حكومة تلبّي طموحات الشعب لم تتلوث أيدي مكوّناتها بالصفقات والتحاصص، وعدم تحميل الشعب أي ضريبة مستحدثة، والعمل على التخفيف من الحالية ولا سيما الأخيرة منها، والتي أتت لإعادة تعبئة الصندوق الأسود لتمتد الأيادي إليه إلى ما لا نهاية، كما طالب بمنع المسؤولين من مغادرة لبنان وإزالة درعي الحصانة الوظيفية والسّرية المصرفية ونشر حسابات كل من تولّى الشأن العام علناً تمهيداً لمحاكمته محاكمة عادلة واسترداد المنهوب من أموال الناس.

وفي العراق أيضا، ساندت جمعية القضاء العراقي دعوة رئيس مجلس القضاء العراقي القاضي فائق زيدان الموجهة إلى قضاة محاكم التحقيق بسرعة حسم قضايا الموقوفين على ذمة التحقيق في قضايا التظاهرات واتخاذ القرارات المناسبة على ضوء كل قضية والتحري الفوري عن المتجاوزين حدود واجباتهم الوظيفية ممن تسببوا في استشهاد واصابة عدد من المتظاهرين.

وفي السودان، طالب نادي أعضاء النيابة العامة السودانيين بناء دولة القانون والمؤسسات وتطبيق العدالة الانتقالية تحقيقاً للأمن القومي وفقاً للحماية القانونية التي تُضفيها التشريعات الوطنية على الحقوق والحريات العامة، و تقديم كل الجُناة اللذين ارتكبوا جرائم في حق أبناء هذا الشعب لمحاكمات عادلة واستعادة الأموال والأصول والممتلكات خارج السودان، وضمان سيادة حكم القانون.

هذه المواقف التي سبقها مواقف عديدة للهياكل القضائية  في عديد الدول العربية مثل موريتانيا وفلسطين والمغرب واليمن وليبيا باتت تعبّر عن دّور مميّز للقاضي في سياق التفاعل مع مجتمعه، وهموم وقضايا شعبه، وتقديم تجربته الحقوقية في سياق دعم التحولات الاجتماعية والحقوقية انتصاراً لتعزيز مكانة سيادة القانون كقيمة عليا يجب أن تحكم جوهر العملية الديموقراطية وتساهم في بناء متكامل لمنظومة الحقوق والحريات، وهذه المرة، بعقول وأيادٍ عربية، وبوجدان عربي خالص، وضمير حيّ، وقضاء عادل لم يعد مكتوف الأيادي، أو مغلول اللسان، أمام واجبه العظيم، في أن يكون القاضي مواطناً مسؤولاً مسكوناً بهموم شعبه قبل كل شيء، عبر واجبه في الانخراط في القضايا المصيرية لشعبه تكريساً لقيم العدالة والمساواة، وقبل ذلك كله، تكريس القضاء المستقل، كأبرز مظاهر الدولة المدنية.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *