أخبار
الرئيسية / المجلة / قراءة من منظور دستوري في الاتفاقيه المبرمه بين مديرية الامن العام وسلطة المياه في الأردن / القاضي لؤي عبيدات*

قراءة من منظور دستوري في الاتفاقيه المبرمه بين مديرية الامن العام وسلطة المياه في الأردن / القاضي لؤي عبيدات*

 

 

 

 

 

طالعتنا المواقع الالكترونيه ومنها على سبيل المثال وكالة رم نيوز ووكالة جفرا نيوز بخبر مفاده قيام كلا من سلطة المياه ومديرية الامن العام بابرام اتفاقيه خطيه يتم السماح من خلالها لموظفي سلطة المياه بإستخدام قاعدة البيانات الخاصه بجميع المركبات التي لها قيود محفوظه الكترونيا لدى ادارة ترخيص السواقين والمركبات بحيث يسمح للموظف المختص لدى سلطة المياه بالدخول الى قاعدة البيانات الالكترونيه مباشرة ووضع او رفع اشارة الحجز على المركبه المعنيه , وقد جاء في الخبر المنشور في موقع جفرا نيوز ما يلي (( وبموجب المذكره ستمنح الصلاحيات الكترونيا لمستخدمين مخولين من وزارة المياه والري / سلطة المياه لاستخدام قاعدة البيانات المركزيه للمركبات التي تمتلكها ادارة ترخيص السواقين والمركبات في مديرية الامن العام لغايات وضع ورفع اشارة الحجز على المركبات )) انتهى الاقتباس .
1) ان مصدر الرأي الذي شكل مادة هذا المنشور هو الخبر الصحفي الوارد في الموقع الالكتروني المذكور وليس الاتفاقية ذاتها التي لم يصار الى نشرها على عامة الناس للاطلاع عليها علما ان النشر في هذا المقام ما هو الا واجب اخلاقي وادبي وليس واجبا دستوريا وقانونيا فلا يوجد في المنظومه التشريعيه الوطنيه ما يوجب بنشر الاتفاقيات والبروتوكولات التنفيذيه المبرمه بين الادارات العامه .
2) وعلى ذلك فوفقا للخبر الذي اوردت مقتطفات اساسيه منه فلا صحة لما يقال بأن سلطة المياه خولت ادارة الترخيص بايقاع و/او رفع الحجز على المركبات , وان الامر لا يتعدى السماح لموظفين مخولين من سلطة المياه بالدخول الى قاعدة البيانات الالكترونيه المحفوظه لدى ادارة الترخيص والخاصه باي مركبه مسجله لدى الادارة المذكوره ومن ثم وضع اشارة الحجز او رفعها الكترونيا على قيدها المحفوظ حاسوبيا لدى ادارة الترخيص .
3) وهنا يتجلى الاشكال الدستوري المتمثل بالسؤال التالي :
هل يجوز لموظف تنفيذي ايقاع الحجز التحفظي على اموال الاخرين المنقوله وغير المنقوله ؟؟ وكيف لهذا الموظف التنفيذي التمييز بين الاموال التي يجوز الحجز عليها ؟ او التي لا يجوز له ذلك عليها ؟
4) بالرجوع الى نص الماده 16 من قانون سلطة المياه الاردني رقم 18 لسنة 1988 وتعديلاته نجد انها تنص على ما يلي (( تعتبر اموال السلطه اموالا اميريه وتحصل بمقتضى احكام قانون تحصيل الاموال الاميريه المعمول به , وتحقيقا لذلك يمارس الامين العام صلاحيات الحاكم الاداري ولجنة تحصيل الاموال الاميريه المنصوص عليها في القانون المذكور )) .
وكذلك فإنه وبالرجوع الى نص الماده 5 من قانون تحصيل الاموال الاميريه رقم 6 لسنة 1952 وتعديلاته نجد انها تنص على ما يلي (( اذا كان الشخص مكلفا بتأدية مبلغ من الاموال الاميريه حسب الاصول وتخلف ذلك الشخص عن دفع ذلك المبلغ في الوقت المعين فتطبق عليه احكام هذا القانون لتحصيل المبلغ المذكور )) .
وتنص الماده 6/ج من القانون المذكور على ما يلي (( المكلفون الذين تنشر اسماؤهم في الجريده الرسميه ويتخلفون عن دفع المبالغ المطلوبه بعد مرور 60 يوما من تاريخ النشر تحجز اموالهم الجائز حجزها قانونا بقرار من الحاكم الاداري ,,, الخ ))
5) وحيث ان من ادق واخطر واجبات المشتغلين في حقل انفاذ القانون هو التنسيق ما بين النصوص التشريعيه المبعثره هنا وهناك وضبط المعنى المستفاد من اقرارها واستخلاص علتها وحكمها ومؤداها , فإن الواجب يملي الربط بين الماده 16 من قانون سلطة المياه والمادتين 5 و 6/ج من قانون تحصيل الاموال الاميريه والتنسيق بين هذه النصوص جميعها , حيث تقودنا جميع آليات التنسيق وقواعد التفسير الى انه وطالما جرى اعتبار اموال السلطه اموالا اميريه وطالما قد انيط بالامين العام لسلطة المياه ذات الصلاحيات المناطه بالحاكم الاداري وطالما جرى تمكين الحاكم الاداري حفاظا على الاموال الاميريه ومستحقات الحكومه من القيام بكافة اجراءات الحجز التحفظي على اموال المدين الجائز حجزها قانونا فإن ما يفهم من هذه النصوص ويستفاد منها جواز قيام الامين العام لسلطة المياه بكافة الاجراءات الكفيله بالحفاظ على اموال السلطه ومستخقاتها _ بإعتبارها اموالا اميريه _ ومن هذه الاجراءات التي يجوز له القيام بها الاجراء المتمثل بوضع اشارة الحجز على قيود المركبات المملوكه للمدينين ورفع هذه الاشاره .
6) والسؤال الذي يثور حول مدى دستورية النصوص سالفة الذكر _ والملاحظ انها نصوص قديمه _ وهل تشكل في مضمونها اعتداءا على صلاحيات القضاء وسلبا لدوره الاصيل في التصدي للنزاعات بين الاشخاص سواء اكانوا طبيعيين ام معنويين ؟؟
الجواب بمنتهى البساطه ( نعم ) ذلك ان الحق بإيقاع الحجز التحفظي هو تتويج لنزاع بين اضداد وعلى الغالب يكون هذا النزاع مالي الطابع , وعطفا على ذلك وحيث استقر اجتهاد الفقه والقضاء الدستوري على التشديد على واجب سلطات الدوله الثلاث بالالتزام بالحدود المرسومه لكل واحدة منها دستوريا , بحيث لا يجوز لاي سلطة مصادرة الادوار الاساسيه المناطه بسلطة اخرى كما لا يجوز لها توظيف ادوات القياس والاستنتاج والاستنباط بهذا الشأن من اجل ان تبرر لنفسها مسلك الاعتداء على صلاحيات سلطة اخرى الامر الذي يلزم كل سلطة بحدود الادوار المرسومة لها والمتعارف عليها عرفا وفقها وقضاءا بما يغل يدها عن التطاول على صلاحيات سلطة اخرى حتى لو كان هذا الامر بقوة القانون العادي الذي لا ينبغي له ان يتعارض مع نصوص الدستور ومع القواعد والاعراف الدستوريه المتواتره عبر الاجيال وهو الحكم الذي اكد عليه المجلس العالي لتفسير الدستور في قراره رقم (2) لسنة 2008 قبل الغاء هذا المجلس بموجب التعديلات الدستوريه الساريه بتاريخ 1/ 10 / 2011 وحيث ان الواجب الاساسي المناط بالقضاء هو البت بالنزاعات بين الاشخاص _ طبيعيين ام معنويين _ وفض الخصومات بأحكام قضائية باته , وحيث ان الاجراء القاضي بإيقاع حجز تحفظي على اموال شخص معين او الغاء هذا الحجز هو اجراء قضائي بحت من ثلاث زوايا اساسيه هي :
ا – ان اعتبار هذا الاجراء اجراءا قضائيا بحيث لا يجوز إسناده لغير القضاء النظامي المدني يجسد اصدق إلتزام بالعهود والاتفاقيات الدوليه التي تعنى بحماية حقوق الناس وحرياتهم وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيه والسياسيه حيث تشكل ضمانات المحاكمه العادله وضرورة الالتزام بها وفي مقدمتها ايلاء القضاء المدني امر النظر في كل النزاعات سواء اكانت ماليه او غير ماليه حجر الزاوية فيه مع التنويه الى ما استقر علبه اجتهاد محكمة التمييز الموقره حينما قضت في اكثر من حكم لها بسمو الاتفاقيات الدوليه التي استنفذت جميع المتطلبات الدستوريه اللازمه لنفاذها على القوانين العاديه الوطنيه فإذا ما حصل تعارض بينهما فإن الاتفاقيات الدوليه هي التي تكون واجبة التطبيق (( انظر حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقيه رقم 3965 / 2003 + حكم محكمة التمييز الاردنيه رقم 7309 / 2003 )) ومع التنويه كذلك الى ان الاردن صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيه والسياسيه ونشره في الجريده الرسميه بتاريخ 15 / 6 / 2006 ومنذ ذلك التاريخ اصبح جزءا لا يتجزأ من النظام التشريعي الاردني في مرتبة وسط بين القوانين العاديه والدستور فهو اسمى من القوانين العاديه وادنى درجة من الدستور .
ب – انه يؤثر على المركز المالي للخصم الذي صدر القرار في مواجهته , وبالتالي فهو يؤثر ويخل بمركزه القانوني , بمعنى انه اجراء خطير لا يجدر صدوره الا عن سلطة مستأمنة على حقوق الناس والعباد وهي القضاء .
ج – انه يشكل خروجا على قاعدة “” قداسة حق الملكيه “” وبالتالي فإن النيل من هذا الحق ينبغي ان يكون له ما يبرره قانونا وكما ينبغي ان يتم ذلك عبر الجهة المرجعية والمختصة والموثوقة للقيام بهذا الدور الخطر والحساس وهي في هذا المقام المحاكم النظاميه وفقا للقواعد العامه وتوفيقا مع نص الماده 102 من الدستور التي جاء فيها ما يلي (( تمارس المحاكم النظاميه في المملكه الاردنيه الهاشميه حق القضاء على جميع الاشخاص في جميع المواد المدنيه والجزائيه بما فيها الدعاوى التي تقيمها الحكومه او تقام عليها بإستثناء المواد التي قد يفوض فيها حق القضاء الى المحاكم الدينيه او محاكم خاصه بموجب احكام هذا الدستور او اي تشريع آخر نافذ )) .
فإن المستفاد من ذلك ووفقا للقراءه المعمقه للنص الدستوري سالف الذكر ان صلاحية ايقاع الحجز التحفظي على اموال المدينين ايا كانت الجهه الدائنه _ كونه اجراء يغل يد المالك عن التصرف بملكه وينال من قداسة حق الملكيه _ ما هو الا اجراء قضائي ولا يجوز سلخ هذه الصفة عنه حتى ولو بنص وارد في قانون عادي , وبالتالي فإن الجهه التي من الواجب ان يناط بها هذا الاجراء هي المحاكم النظاميه واي نص يسلبها هذا الاختصاص ويمنحها لجهة تنفيذيه وحكوميه او لاي جهة اخرى يغدو نصا منطويا على شبهة دستوريه , والله تعالى اعلم , ذلك ان فوق ذي كل علم عليم ,,, واعتذر على الاسهاب الاطاله.

*قاضٍ من الأردن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *