أخبار
الرئيسية / المجلة / المقالات / دفاعاً عن حق القضاة في حرية الرأي والتعبير .. د. أنس سعدون*

دفاعاً عن حق القضاة في حرية الرأي والتعبير .. د. أنس سعدون*

يعتبر الحق في التعبير من أهم الحقوق التي كرسها الدستور الجديد للقضاة حيث نص في الفصل 111 منه على أنه: “للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية”، ومن الواضح أن هذا الحق مكفول للقضاة سواء من خلال نصوص وطنية أو دولية، فحرية التعبير أساسية بالنسبة للقاضي اذ تسمح له، الى جانب الدفاع عن استقلاله أو أي من مصالحه المادية والمعنوية، بأداء دور فعال في النقاشات حول الاصلاح القضائي أو أية مسألة قضائية أخرى .

أين تبدأ حرية الرأي والتعبير ؟

بداية يمكن تعريف حرية الرأي والتعبير بأنها الحرية في التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو العمل الفني بدون رقابة أو قيود حكومية، بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقاً لقوانين وأعراف الدولة، أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير. وغالبا ما ترتبط حرية الرأي والتعبير بحقوق وحريات أخرى مثل حق حرية العبادة وحرية الصحافة وحرية التظاهرات السلمية.

ويمكن التمييز بين حرية الرأي وحرية التعبير.

فحرية الرأي هي عملية فكرية يتولاها العقل، تعتمد على عدد من المقدمات والفرضيات لاستخلاص النتائج، أو الربط بين حوادث موضوعية أو زائفة، أو بيان الكل بالجزء أو الجزء بالكل، سواء كانت المحاولة صائبة أو خاطئة، أو جاء الرأي لإيضاح أو تفسير رأي آخر، و بالتالي فإنه لا عبرة بالأفكار التي تبقى قيد الذهن، وللرأي ركنين: مرسل ومرسل إليه، وتشترط وجود هدف أو غاية من إبداء الرأي، و مرونة في ابدائه، بمعنى أنه يعرض ولا يفرض .

أما حرية التعبير، فتعني إخراج هذا الرأي الي الناس عبر وسائل التعبير المختلفة، من كتابة وفن وكلام وحتي عبر لغة الجسد ، وتندرج حرية التعبير ضمن منظومة حقوق الإنسان السياسية.

ان حرية الرأي والتعبير مكفولة بمقتضى المواثيق الدولية العامة أو الخاصة وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث تطرقت إليه المادة (19) ونصت على أنه” لكل شخص الحق في التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة دونما اعتبار للحدود”.

كما نصت على هذا الحق المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية   الذي جاء فيه:

“أ-لكل إنسان الحق في اعتناق آراء دون مضايقة.

ب-لكل شخص الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواءً على شكل مكتوب أو مطبوع، أو في قالب فني بأية وسيلة يختارها.

ج-تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة، وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود، ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون ، وأن تكون ضرورية:

-لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم،

-لحماية الأمن القومي ، أو النظام العام ، أو الصحة العامة ، أو الآداب العامة”.

أما بخصوص حق القضاة في التعبير في المواثيق الدولية فنجد في مقدمتها مبادئ الأمم المتحدة بخصوص استقلال القضاء  التي نصت في مادتها الثامنة على أنه:

“وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق لأعضاء السلطة القضائية، شأنهم في ذلك شأن المواطنين الآخرين، التمتع بحرية التعبير والاعتقاد والانتساب والتجمع، شريطة أن يتصرف القضاة دائماً في ممارستهم هذه الحقوق على نحو يحافظ على هيبة ووقار مناصبهم وعلى نزاهة واستقلال السلطة القضائية”.

وبمقتضى هذا النص كما هو واضح ، يتمتع أفراد الجهاز القضائي ، نتيجة لهويتهم المهنية واستقلالهم الوظيفي، بحرية المعتقد والفكر والكلام والتعبير وإنشاء الجمعيات والاجتماع والتنقل، وهذه الحريات هي ضمانات لحقوق الإنسان الأساسية .

ومن حق القضاة التمتع بهذه الحريات ليس كأفراد فحسب، ولكن بصفتهم قضاة أيضا ، لأن هذه الحريات أساسية ومفيدة في مهمة القضاء.

وقد تم التنصيص على ذلك أيضا لقضاة النيابة العامة من خلال وثيقة مبادئ هافانا  التي نصت في مبدئها الثامن على ما يلي:

“لأعضاء النيابة العامة شأنهم شأن غيرهم من المواطنين الحق في حرية التعبير والعقيدة وتشكيل الرابطات والانضمام إليها وعقد الاجتماعات ويحق لهم بصفة خاصة المشاركة في المناقشات العامة للأمور المتصلة بالقانون والنظام القضائي وتعزيز حقوق الانسان وحمايتها وكذلك الانضمام إلى منظمات محلية أو وطنية أو دولية أو تشكيلها وحضور اجتماعاتها دون أن يلحق بهم أي أدى من الوجهة المهنية بسبب عملهم المشروع أو عضويتهم في منظمة مشروعة وعليهم أن يتصرفوا دائما في ممارسة هذه الحقوق طبقا للقانون والمعايير والآداب المعترف بها لمهمتهم”.

وقد ورد في هذا السياق في شرعة الأخلاقيات القضائية العالمية، المعروفة بشرعة بنغالور   ما مفاده: “إن للقاضي الحق مثله مثل أي مواطن آخر في التعبير والتجمع شرط أن يحافظ على حياده واستقلاله وعلى كرامة الوظيفة القضائية”:

وأكدت نفس الوثيقة على أنه يحق للقاضي:

“الكتابة والتدريس وإعطاء المحاضرات والمشاركة في الانشطة المتعلقة بالقانون أو إدارة القضاء أو المسائل ذات الصلة والمشاركة في الأنشطة التي لا تنقص من هيبة المنصب القضائي، أو تدخل في المهام القضائية للقاضي، وأن يشكل أو ينضم إلى جمعيات القضاة أو يشارك في هيئات من شأنها تمثيل مصالح القضاة”.

أين تنتهي حرية التعبير؟  واجب التحفظ نموذجا

تعتبر المادة 111 من الدستور أحد أهم المكاسب التي تحققت على الصعيد القضائي، حيث نصت على أنه: “للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية”. ويطرح تطبيق هذه المادة إشكالات على مستوى التطبيق العملي نظرا لغياب سوابق قضائية منشورة توضح نطاق ومفهوم واجب التحفظ، لا سيما وأن آلية نشر القرارات التأديبية لم يتم تفعيلها بعد، فضلا عن أن الجمعيات المهنية القضائية وعلى رأسها نادي قضاة المغرب تؤكد أن تفسير واجب التحفظ ينبغي أن يتم داخل مدونة السلوك القضائي، وباشراك للجمعيات المهنية القضائية.

ومن بين أهم الوثائق الاسترشادية التي تم وضعها مؤخرا على المستوى الاقليمي، نجد مقترحا نموذج للأخلاقيات القضائية في المنطقة العربية وضعته المفكرة القانونية –وهي منظمة غير حكومية- بمشاركة جمعيات مهنية وقضاة من بلدان المنطقة العربية ومن دول العالم، وقد تطرقت لأهمية حرية القضاة في التعبير، معتبرة أن هذه الحرية هي “السلاح الأبرز لتعزيز روابط التضامن والتواصل بين القضاة، وأيضا لتحسيس الرأي العام بأهمية استقلال القضاء، وبالأخص أهمية التمسك به والدفاع عنه”، واعتبرتها من جهة ثانية شرطا لتحرر “القاضي من قيود الصمت والاستفراد ليصبح أكثر مناعة وقدرة على صون استقلاله وصدّ التدخلات في شؤونه”، كما أكدت أنه “من الضروري جمع حرية القاضي باستقلاله، وذلك من منظور جدلي بين هاتين القيمتين. فالاستقلالية تبقى منقوصة وهشّة من دون الاعتراف بحرية القاضي في التعبير، والتمتع بحرية القاضي مضمون ومكفول دستوريا ولا تحده إلا مقتضيات الاستقلالية، التي تشكل جوهر العمل القضائي، والمكفولة هي الأخرى دستوريا. بهذا المعنى، يصبح استقلال القاضي هو غاية حريته وقيدها في آن واحد”. وبموجب هذه القراءة المتقدمة، يكون للقضاة التمتع بأوسع قدر من حرية التعبير، فلا يحدّ منها إلا بما قد يستشف منه انتقاص من استقلاليتهم الفعلية أو الظاهرة.

* أنس سعدون:  عضو نادي قضاة المغرب، دكتور في الحقوق، خبير في مجال حقوق الإنسان

 

تعليق واحد

  1. Avatar
    احمد ابو ضلفة

    شكرا جزيلا على ما تقدمونه من مقالات قيمة ، هل من الممكن البريد الالكترونى الخاص بالاستاذ انس سعدون للتواصل معه بخصوص رسالة ماجستير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *