أخبار
الرئيسية / الأخبار / أخبار الاتحاد / بيان رقم (6) لسنة 2019 صادر عن الاتحاد العربي للقضاة بشأن الحراك القضائي في تونس

بيان رقم (6) لسنة 2019 صادر عن الاتحاد العربي للقضاة بشأن الحراك القضائي في تونس

تابع الاتحاد العربي للقضاة الحراك القضائي الواقع من قبل الهياكل القضائية التونسية الرامي إلى ضمان استقلال السلطة القضائية وتكريس هيبتها في تونس و إلى تحسين ظروف عمل القضاة المادية و اللوجستية، ولمّا كان من أبرز أهداف الاتحاد العربي للقضاة العمل على مساندة الهياكل الوطنية في الدفاع عن استقلال القضاء، وفي الذود عن كرامة القضاة، وضمان استقلالهم الفردي والمؤسسي، فإنّ الاتحاد يؤكد ومن هذا المنطلق على دعمه للمطالب الشرعية والمشروعة التي رفعها القضاة التونسيون من خلال هياكلهم الوطنية، وعلى دعمه للتحركات القضائية المتخذة من قبل هذه الأخيرة، و التي تهمّ المطالبة بتحسين ظروف عمل القضاة و حماية استقلالهم من أي انتهاك أو تطاول، وبسنّ القانون الأساسي المتعلق بهم، وفقا للمعايير الدولية الضامنة لاستقلال السلطة القضائية كسلطة دستورية مستقلة.

وعلى ضوء ذلك، يهمّ الاتحاد العربي للقضاة أن يبيّن ما يلي :

1- مساندته لمطلب الهياكل القضائية التونسية بضرورة الإسراع في سنّ قانون أساسي للقضاة، يكون منسجماً مع المعايير الدولية المتعارف عليها لاُستقلال السلطة القضائية، باعتبار أن هذه المعايير تمثل الحدود الدنيا المقبولة في مجتمع ديمقراطي يحترم المبادئ الدستورية المتعلقة بالفصل بين السلطات، ويكرّس فعليا مبدأ استقلال القضاء مع وجوب أن لا يكون ذلك القانون شاملا  فقط لواجبات القضاة والتزاماتهم المهنية الموكولة إليهم، بل وأيضا لحقوقهم الضامنة لكرامتهم واستقلاليتهم، والضامنة أيضاً لحقوق المتقاضين ولقيم الحق والعدالة.

2- أن استقلال القضاء لا يمكن أن يتحقق متى تم انتهاك كرامة القضاة والتطاول عليهم على خلفية قراراتهم وأحكامهم القضائية، والتي تبقى – كما هو معلوم بالضرورة- محل مراجعة من قبل الهيئات القضائية الأعلى درجة، وبالوسائل المتاحة قانونا، و يؤكد الاتحاد أن الضغط على القضاء ومحاولة توجيهه، وكذلك محاولات تركيعه وتدجينه، لا يمس فقط من اعتبار القضاة ومن استقلاليتهم كقضاة أفراد، بل وينال أيضا من حقوق الدفاع المتعلقة بطرف دون آخر، وبالضرورة، من حق المتقاضين في محاكمة عادلة بعيدة عن التجاذبات بكل أنواعها و أشكالها.

وبهذا الخصوص، يؤكد الاتحاد أن من أوكد توفير ضمانات الاستقلالية هو تحجير كل تدخل في سير القضاء من أي جهة كانت، ضماناً لإقامة العدل و سيادة القانون، طبقا لما جاء به الدستور التونسي، ووفقا لما أقرته المواثيق الدولية ذات الصلة، ومن ذلك ما نصّت عليه المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية لسنة 1985 في البند الرابع منها والذي نص على “عدم جواز حدوث تدخلات غير لائقة أو لا مبرر لها في الإجراءات القضائية”، وكذلك البند السادس منها الذي تضمن أن “مبدأ استقلال السلطة القضائية يتطلب ضمان سير الإجراءات القضائية بعدالة، وفي إطار احترام حقوق جميع الأطراف.”

3 – إن توفير المحاكم اللائقة والآمنة يضمن حسن سير مرفق العدالة ويجعل هذا المرفق القضائي يرقى إلى أدنى مستوياته الضامنة لاستقلال القضاء ولهيبته، ويمكّن كل الأطراف المتداخلة من قضاة ومحامين وكتبة وغيرهم من أداء المهام الموكولة إليهم على أكمل وجه .

و إذ ندّدت الهياكل الوطنية بالوضعية المتردية لأغلب المحاكم، و طالبت من خلال بياناتها المتتالية بتحسينها والنهوض بها، فإنّ من أوكد واجبات الدولة توفير مقرات محاكم تليق بمكانة السلطة القضائية، وتحفظ هيبتها، فضلا على ضرورة توفيرها لكل الإمكانيات اللوجستية المتمثلة أساسا في أماكن لائقة لحسن سير عمل القضاة، وتوفير كل أدوات العمل التي تساعد القاضي على سرعة الفصل في الملفات المعروضة عليه، لتمكين المتقاضين من أحكامهم في أقصر الآجال. ونشير في هذا الصدد أن النهوض بمرفق العدالة واحترام القضاة لا يكون فقط بتوفير محاكم لائقة، وبرصد الموارد البشرية الكافية والإمكانيات اللوجستية المتطورة، بل أيضا بتأمين تلك المحاكم من كل اعتداء أو انتهاك، حماية لانتظام العملية القضائية، وصونا لأمن المحاكم التي يجب أن تكون بمأمن عن أي اعتداء ضماناً لاستقلال القضاء في إصدار أحكامه.

4- يؤكد الاتحاد أنّ الاستقلال المالي للسلطة القضائية هو أحد أهم أركان الضمانات المتعارف عليها لاستقلال القضاء طبقاً للمعايير الدولية ذات الصلة، ويرتبط ذلك بتوفير الإمكانيات المادية المرصودة للقضاء، وتأمين التحصين المالي للقضاة الأفراد، وللسلطة القضائية كمؤسسة، وبما يضمن كرامة القضاة وحصانتهم، باعتبار التحصين المالي للقضاة هو ضمانة شرّعت لصالح المواطن الذي يجب أن يكون مطمئناً بأنّ قاضيه الطبيعي يتمتع بالضمانات الكافية للفصل في المسائل المعروضة عليه دون أي تأثيرات ترهق كاهله وتشغله عن الانكباب في العمل القضائي بكل طاقته وإمكانياته الذهنية المبدعة والخلاّقة وفقا للقانون وطبقا لما ورد بالنقطة الثانية من المبادئ الأساسية لاُستقلال السلطة القضائية لسنة 1985، و في هذا الإطار يدعو الاتحاد العربي للقضاة إلى ضرورة تأصيل ثوابت استقلالية القضاء المتعلقة بحفظ كرامة القضاة، ورصد الضمانات المالية المستوجبة التي تشكل أمنهم الاجتماعي والاقتصادي، بدء برصد ميزانية مستقلة للسلطة القضائية، والتي يعدُّ تأجير قضاتها من قبل وزارة العدل الممثلة للسلطة التنفيذية خرقا فادحا لمبدأ الفصل بين السلطات ولمبدأ استقلال السلطة القضائية، وصولا إلى إرساء مقومات نظام تأجير مستقل ومتحرك، كرصد المنح اللائقة بمكانة القضاة وبطبيعة المسؤولية الجسيمة المنوطة بعهدتهم على غرار منح الاستمرار والتنقل والسكن وغيرها من المنح المستوجبة قانونا، لحفظ كرامة القضاة، ولتمكينهم من أداء رسالة القضائية السامية.

5- يثمن الاتحاد العربي للقضاة جهود الهياكل الوطنية الرامية للذود عن مصالح القضاة، وصون كرامتهم، وحفظ استقلاليتهم، واستقلالية سلطة قضائية لا يستقيم المسار الديمقراطي دونها باعتبار أن دولة تونس باتت تشكل نموذجا في تكريس القيم الدستورية والديمقراطية في المنطقة العربية وباعتبار القاضي التونسي نموذجاً للقاضي المستنير بقيم الحق والعدالة والابداع.

ويعلن الاتحاد العربي للقضاة في هذا السياق عن دعمه الكامل للحراك القضائي المشروع من قبل القضاة التونسيين، ويؤكد متابعته لكافة التطورات في هذا الإطار، ويضع كافة إمكاناته على الصعيد الإقليمي والدولي لمساندة هذه الجهود، داعياُ كل الجهات المعنية في الدولة التونسية إلى التعاطي مع السلطة القضائية كسلطة دستورية مستقلة، وتوفير كافة ضمانات استقلالها، وضمان انتظام وفاعلية سير المرفق القضائي، ويعوّل على التعاطي الإيجابي مع هذا المطلب المشروع، انتصاراً لصورة الجمهورية التونسية، التي أضحت مرجعاً عربيا إقليميا في تكريس المفاهيم الحديثة لدولة القانون والمؤسسات، وفي حماية الحقوق الحريات والعامة، وفي إرساء العدالة بأبهى تجلياتها.

الاتحاد العربي للقضاة

صدر بتاريخ 16-8-2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *