أخبار
الرئيسية / إضاءات على المشهد القضائي / نحو تعزيز النضال القضائي العربي المشترك

نحو تعزيز النضال القضائي العربي المشترك

بقلم رئيس الاتحاد القاضي د. أحمد الأشقر

لم تكن فكرة تأسيس الاتحاد العربي للقضاة محض ترف دعائيّ بقدر ما حملت إرادة صلبة لدى القضاة العرب رجالاً ونساء في هذا الوطن العربي الكبير نحو إنشاء وإحداث أول جسم قضائي عربي أهلي على المستوى الإقليمي، هذه الفكرة التي تحولت إلى واقع ملموس انطلقت من عمق الإيمان  بما تحمله الرسالة القضائية السامية من قيم الحق والعدالة والمساواة، نحو النضال القضائي العربي المشترك لحماية وتعزيز استقلال القضاء الفردي والمؤسسي، وتعزيزا لمبدأ الفصل بين السلطات، ليشكل الاتحاد بذلك أول إضاءة جادّة على المشهد القضائي العربي.

 

الاتحاد العربي للقضاة انطلق منذ بداياته مسانداً لدور والجمعيات والنقابات والنوادي القضائية العربية في الحراك القضائي النضالي بما يحلمه هذا الحراك من أمل في توطيد علاقات الأخوة العربية على قاعدة الهمّ العربي المشترك في مواجهة تحديات الإقصاء والتهميش والتدجين والإلغاء، وها هو اليوم يبدأ الانطلاقة المجيدة بتجسيد الاتحاد وتركيزه كفاعل أساسي في الحراك الحقوقي العربي، ليصبح القضاة العرب في بؤرة المشهد والمكوّن الأساسي والدافع الرئيس لعجلة البناء القائم على احترام مبدأ سيادة القانون وتعزيز دور القضاء في حماية الحقوق والحريات العامة.

 

لقد بات الاتحاد العربي للقضاة مؤمنا مع هياكله المؤسسة بالدور الأساسي  الذي يلعبه القضاة تكريس مفاهيم الوعي العربي العام في مواجهة التغول على مكتسبات أمتنا العربية الحضارية، وتعزيزا لأدوات الفعل الجماعي العربي لجهة الارتقاء بالمؤسسات القضائية العربية، والارتقاء بالفعل القضائي النضالي العربي العام تكريساً للحقوق الفردية والجماعية، وانتصارا للحقوق الدستورية نظريةً وممارسة، وتأكيدا على قدرة القضاة العرب من خلال هياكلهم على التحرك الفاعل في إطار عمل عربي قضائي مشترك إعلاءً لمبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء، وتمكينا للقضاة العرب من الولوج إلى مكامن العمل الوحدوي العربي الفاعل تجاه قضاياهم الحقوقية والنضالية المشتركة المتمثلة بالدفاع عن استقلالهم، وحصاناتهم، وكراماتهم،.

 

إن تأسيس الاتحاد العربي للقضاة يشكل بحد ذاته منجزاً جمعوياً عربيا، لا تقتصر ارتداداته على هيكل بعينه، أو فرد بشخصه، بل تمتد هذه الارتدادات لتلقي بصداها على المشهد الحقوقي والقضائي العربي برمته، والحقيقة أن فكرة تأسيس اتحاد عربي للقضاة كانت دائما تأخذ حيّزا لا بأس به في تفكير وذهنية العديد من القضاة والهياكل العربية، وربما كانت هناك محاولات سابقة لم تنجح في تحقيق الولادة الكبرى، ذلك أنّ فكرة التأسيس كانت دائماً رهينة التأمل دون خروجها إلى حير الفعل، وربما لم تكن هناك إرادة كافية لمواجهة التحديات المتوقعة وغير المتوقعة، ناهيك عن أن العمل العربي المشترك غالبا ما يتعرض في بداياته لتشكيك وتخوفات ترتبط دائما بالحالة العامة التي يمر وطننا العربي الكبير بها.

 

إنّ القضاة العرب هم  أبناء هذه الحالة العربية التي تعكس آثارها على كافة جوانب حياة المواطن العربي ومؤسساته بما فيهم القضاة والمؤسسات القضائية، نحن كقضاة نؤمن أولا بدور القاضي في حماية الحقوق والحريات العامة، وهذا دور دستوري أقرته الدساتير المختلفة، ونحن من هذا المنطلق ننظر للاتحاد كمؤسسة قضائية عربية وحقوقية ينبغي أن يكون له دور فاعل في دعم استقلال القضاء الفردي والمؤسسي، وفي تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، والمساهمة في تعزيز حق القضاة في حرية الرأي والتعبير، وحقهم في تكوين الجمعيات وممارسة العمل الجمعوي، وتاليّا سينعكس ذلك بالضرورة على دور القاضي الفرد في حماية حقوق الإنسان، وبكل تأكيد سيكون للاتحاد إضافة لذلك دور اجتماعي تواصلي، ذلك أننا نهدف إلى تعزيز أواصر الأخوة والترابط القضائي العربي، والاستفادة من تبادل الخبرات والمعارف في المجالات الحقوقية لاسيما تلك المرتبطة بالعمل القضائي، وبعيدا عن أي اسقاطات ذات أي مغزى سياسي، سيكون هذا الاتحاد بإذن الله دور في النأي عن ما يفرق، والاقتراب مما يجمع ويوّحد، وسنعمل على احترام دور الهياكل الوطنية ودعهما وفقا لخصوصية كل دولة وهيكل، ليكون الاتحاد مكملا لجهود هذه الهياكل وليس بديلا عنها، وسيكون تدخلنا في أي حراك قضائي منسجم مع القوانين الوطنية للدول، ومبادئها وقيمها الدستورية، وبتنسيق كامل مع هياكلها المؤسسة أو المنضمة للاتحاد، نأمل كثيرا ولدينا قناعة راسخة أننا سنكون إضافة نوعية نحو العمل على تعزيز مكانة السلطة القضائية في الدول المشاركة، وحماية أي منجز قضائي عربي يتفق ومبادئ استقلال القضاء المتعارف عليها عالميا، وإن شاء الله بجهد الجميع سنكون على قدر هذه المسؤولية التي ستنعكس بكل تأكيد على حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي الكبير.

 

إنّ الاتحاد العربي للقضاة، وقد أطلق قبل أسابيع قليلة خطته الاستراتيجية للاتحاد وشاركها بالنقاش مع عدد كبير من المنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية،  ها هو يطلق الآن موقعه الإلكتروني كأول موقع إلكتروني قضائي متخصص وبإدارة قضائية صرفة، وبجهود شخصية مضنية، ليكون منارة تستقطب اهتمام القضاة العرب أينما كانوا، ويعبر عن الاتحاد كمنصة رسمية له، معلناً بذلك أنه قد ذهب إلى نقل أهدافه من حيز النظرية إلى حّيز الفعل، وبدأ عملياً بالنقاش والتحاور مع العديد من المؤسسات والمنظمات الحقوقية الفاعلة، وسيعمل على توقيع مذكرات واتفاقيات تعاون بما ينسجم مع رؤية وأهداف الاتحاد، وستكون الأيام المقبلة بإذن الله مفعمة بالعمل والملتقيات نحو المزيد من تعزيز فاعلية الاتحاد، وتوسيع حضوره وتمثيله وقدرته على التأثير، نحو حماية استقلال القضاء، وتعزيز العمل القضائي العربي المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *